مال و أعمال

هل تدفع اضطرابات الممرات البحرية الأسعار إلى الارتفاع؟

مشغل الصوت

لم تعد الممرات البحرية مجرد طرق تعبرها السفن بين القارات.

أصبحت جزءًا أساسيًا من معادلة الأسعار العالمية.

عندما تتعرض هذه الطرق للخطر، لا تتوقف المشكلة عند تأخر السفن. ترتفع تكاليف الوقود والتأمين والشحن. وقد تنتقل الزيادة تدريجيًا إلى المصانع والمتاجر والمستهلكين.

وتكشف التطورات الأخيرة في مضيقي هرمز وباب المندب أن اضطراب الملاحة يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية.

لماذا تؤثر الممرات البحرية في الأسعار؟

يمر جزء كبير من التجارة العالمية عبر ممرات بحرية ضيقة.

ويبرز بينها مضيق هرمز وباب المندب وقناة السويس.

أي اضطراب في هذه النقاط يجبر شركات النقل على البحث عن طرق بديلة. وفي بعض الحالات، تعني البدائل الإبحار آلاف الكيلومترات الإضافية.

هذا يعني استهلاك وقود أكبر.

ويعني أيضًا أجور طواقم أعلى، وتأمينًا أكثر تكلفة، ووقتًا أطول لوصول الشحنات.

وتشير دراسة حديثة لصندوق النقد الدولي إلى علاقة واضحة بين تأخر الشحن وارتفاع أسعار المستهلك. ووجد الباحثون أن تأخر الشحن لمدة 100 ساعة يمكن أن يرفع التضخم بنحو 0.5 نقطة مئوية عند ذروة التأثير بعد نحو خمسة أشهر.

هرمز وباب المندب تحت الضغط

يكتسب مضيق هرمز أهمية خاصة لأنه أحد أهم طرق نقل النفط والمنتجات البترولية في العالم.

أما باب المندب، فيربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي. ويشكل طريقًا مهمًا للتجارة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

وأدى اضطراب الملاحة في المنطقة إلى تغيير حسابات شركات الشحن.

فبعض السفن اتجهت إلى طرق أطول حول أفريقيا. كما ارتفعت تكاليف تشغيل ناقلات النفط بصورة حادة مع تصاعد المخاطر الأمنية.

وقالت رويترز إن أسعار استئجار ناقلات النفط العملاقة بين خليج عمان والصين وصلت إلى مستويات قياسية في سبتمبر، مع ارتفاع تكلفة النقل نتيجة المخاطر الأمنية ونقص السفن المتاحة في المنطقة.

النفطهو الحلقة الأولى

عادةً ما تظهر آثار اضطراب الممرات البحرية في سوق الطاقة أولًا.

فالنفط لا يحتاج إلى توقف كامل للصادرات حتى يرتفع سعره.

يكفي أن تخشى الأسواق من حدوث نقص مستقبلي.

وهذا ما يفسر سرعة تحرك الأسعار عند تصاعد المخاطر حول الممرات الرئيسية.

وفي 14 سبتمبر، استقرت أسعار النفط على ارتفاع بعد مخاوف جديدة بشأن الإمدادات عقب هجمات على منشآت طاقة وسفن في المنطقة.

وصعد خام برنت خلال التداولات إلى مستويات أعلى من 107 دولارات للبرميل، قبل أن تتراجع المكاسب مع ظهور إشارات دبلوماسية جديدة.

ماذا عن تكاليف الشحن؟

ارتفاع أسعار النفط ليس المشكلة الوحيدة.

شركات الشحن تواجه فاتورة أخرى.

فالسفينة التي تغير مسارها تحتاج إلى مزيد من الوقود. كما تحتاج إلى وقت أطول للوصول إلى الميناء.

وتزداد كذلك تكلفة التأمين عندما ترتفع المخاطر العسكرية.

وفي بعض الحالات، ترتفع أجور استئجار السفن نفسها بسبب نقص السفن المتاحة للمسارات الخطرة.

وهكذا يمكن أن ترتفع تكلفة نقل الحاوية أو برميل النفط قبل أن تصل أي زيادة إلى المستهلك.

هل ترتفع أسعار كل السلع؟

ليس بالضرورة.

التأثير يختلف من سلعة إلى أخرى.

السلع التي تعتمد على النقل البحري بشكل كبير تكون أكثر تعرضًا للزيادة. وتشمل بعض المواد الغذائية والمواد الخام والمنتجات الصناعية.

كما تتأثر السلع التي تحتاج إلى شحنات متكررة أو تعتمد على مخزونات محدودة.

أما الشركات التي تمتلك مخزونًا كبيرًا، فقد تمتص الزيادة لفترة قبل تمريرها إلى المستهلك.

ولهذا لا تظهر آثار اضطراب الملاحة في الأسواق كلها بالسرعة نفسها.

من الشحن إلى رفوف المتاجر

تمر الزيادة عادة بعدة مراحل.

تبدأ بارتفاع تكلفة السفينة.

ثم ترتفع تكلفة نقل البضائع والتأمين.

بعد ذلك تتحمل الشركات جزءًا من الزيادة أو تنقلها إلى المستوردين.

وقد تنتقل الزيادة لاحقًا إلى تجار الجملة والتجزئة.

وفي النهاية قد يدفع المستهلك سعرًا أعلى.

لكن هذه العملية تحتاج وقتًا.

وهذا ما يجعل اضطرابات الشحن خطرة حتى بعد عودة حركة السفن إلى طبيعتها. فقد تستغرق الأسعار وقتًا حتى تعكس انخفاض تكاليف النقل.

قناة السويسأمام اختبار جديد

تمثل قناة السويس نقطة مهمة في هذه المعادلة.

فاستعادة المرور عبرها تساعد السفن على تقليل المسافة بين آسيا وأوروبا مقارنة بالطريق حول رأس الرجاء الصالح.

وفي 14 سبتمبر أعلنت شركتا ميرسك وهاباغ-لويد استئناف أربع خدمات إضافية عبر قناة السويس ضمن شبكة تعاونهما، مع التأكيد على أن القرارات المستقبلية ستعتمد على تطورات الوضع الأمني في المنطقة.

هذه الخطوة مهمة.

فإذا استقرت الملاحة، يمكن أن تنخفض أوقات الرحلات وتكاليف الوقود.

لكن العودة الكاملة ليست مضمونة.

شركات الشحن ما زالت تضع الأمن في مقدمة حساباتها. وأي تصعيد جديد يمكن أن يعيد السفن إلى الطرق الأطول.

أزمة الأنابيب تزيد الضغط

لم تعد المشكلة بحرية فقط.

فالهجوم على خط أنابيب شرق-غرب السعودي أدى إلى تعطيل مسار مهم لنقل النفط إلى موانئ البحر الأحمر.

وتشير تقديرات رويترز إلى أن توقف الخط قد يهدد ما يصل إلى 4% من الإمدادات النفطية العالمية إذا طال أمد التعطيل.

وهذا يزيد أهمية الطرق البحرية البديلة.

كما يرفع حساسية السوق تجاه أي حادث جديد في الخليج أو البحر الأحمر.

هل يتحول اضطراب الملاحة إلى تضخم عالمي؟

الإجابة: نعم، لكنه لا يحدث بصورة آلية أو فورية.

ارتفاع تكلفة الشحن يمثل صدمة في جانب العرض.

وإذا استمرت الصدمة، يمكن أن ترتفع تكاليف الإنتاج والنقل.

وقد تتحول الزيادة إلى أسعار أعلى للسلع والخدمات.

وأكد صندوق النقد الدولي أن اضطرابات الشحن تضغط على الأسعار. كما أشار إلى أن الاقتصادات المستوردة والشرائح الأقل دخلًا تكون أكثر تعرضًا لتأثير ارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية.

وتشير تقديرات الصندوق الخاصة بالسعودية أيضًا إلى أن ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين يمكن أن يدفع التضخم إلى الصعود.

النفط والطعام والنقل في دائرة واحدة

العلاقة بين هذه الأسواق أكثر ترابطًا مما تبدو عليه.

ارتفاع النفط يرفع تكلفة تشغيل السفن والشاحنات والطائرات.

ارتفاع الشحن يرفع تكلفة نقل المواد الخام.

ارتفاع تكلفة المواد الخام يزيد تكلفة الإنتاج.

ثم تأتي تكلفة التوزيع والتخزين.

لهذا يمكن لاضطراب يبدأ في مضيق بحري بعيد أن يصل في النهاية إلى أسعار الغذاء والوقود وبعض السلع اليومية.

لكن هناك عوامل تحد من الصدمة

رغم المخاطر، لا يعني كل اضطراب بحري أن الأسعار ستواصل الصعود بلا حدود.

الأسواق تمتلك بعض أدوات التكيف.

يمكن للدول استخدام المخزونات الاستراتيجية.

ويمكن للشركات تغيير مصادر التوريد.

كما تستطيع السفن تغيير مساراتها.

وقد تستخدم بعض الدول خطوط الأنابيب أو الموانئ البديلة.

لكن هذه الحلول لها حدود.

كلما طال الاضطراب، تقل قدرة المخزونات والطرق البديلة على امتصاص الصدمة.

ماذا يعني ذلك للمستهلك؟

قد لا يشعر المستهلك بالاضطراب البحري فورًا.

لكن استمرار الأزمة لفترة طويلة قد يظهر في صورة ارتفاع تدريجي في بعض الأسعار.

وقد تبدأ التأثيرات بالوقود والشحن، ثم تنتقل إلى النقل والصناعة.

وتكون السلع المستوردة أكثر عرضة للتأثر عندما ترتفع تكاليف وصولها إلى الأسواق.

لذلك فإن استقرار الممرات البحرية لا يمثل قضية تخص قطاع النقل فقط.

إنه عنصر مهم في استقرار الأسعار أيضًا.

هل يمكن أن تنخفض الأسعار سريعًا؟

نعم، إذا تحسن الوضع الأمني وعادت حركة السفن إلى الممرات الأقصر.

لكن انخفاض أسعار الشحن لا يعني بالضرورة انخفاض أسعار التجزئة فورًا.

فالشركات قد تكون اشترت شحنات بتكلفة مرتفعة.

وقد تكون لديها مخزونات تم نقلها خلال فترة الأزمة.

كما تحتاج عقود النقل والتأمين إلى وقت حتى تتغير.

لذلك قد تتأخر آثار تحسن الملاحة عن التحسن الفعلي في حركة السفن.

الخطر الحقيقي هو طول الأزمة

المشكلة الأكبر ليست حادثًا منفردًا.

الخطر يكمن في استمرار الاضطراب.

كل يوم إضافي من الرحلات الأطول يعني تكلفة إضافية.

وكل أسبوع من المخاطر يعني تأمينًا أعلى.

وكل شهر من عدم اليقين قد يدفع الشركات إلى زيادة المخزونات ورفع هوامش الأمان.

وهنا تتحول أزمة الملاحة من مشكلة مؤقتة إلى تكلفة اقتصادية مستمرة.

الممرات البحرية أصبحت جزءًا من معادلة الأسعار

تكشف أزمة هرمز وباب المندب أن الاقتصاد العالمي يعتمد بشدة على عدد محدود من الممرات.

وعندما تضطرب هذه الممرات، لا ترتفع تكلفة النقل فقط.

بل تتغير حسابات الطاقة والتجارة والتضخم.

وقد تكون عودة بعض الخدمات عبر قناة السويس إشارة إيجابية للأسواق.

لكن استمرار المخاطر الأمنية يجعل الصورة غير مستقرة.

والقاعدة التي تفرض نفسها الآن بسيطة:

كلما طال اضطراب الممرات البحرية، زادت احتمالات انتقال تكلفته من السفن إلى الأسواق، ومن الأسواق إلى المستهلك.

التضخم والنفط يرفعان رهانات أول زيادة للفائدة الأميركية منذ2023

توترات «هرمز» تشعل أسعار النفط وتهدد الإمدادات

«أوبك بلس» يثبّت إنتاج أكتوبر وسط تداعيات حرب إيران

الذهب يلتقط أنفاسه بعد هبوط 3%.. تشدد وارش يربك الأسواق والأنظار إلى قرار الفائدة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »