ثقافة

قصر الحلابات.. حكاية حصن روماني تحول إلى تحفة أموية في صحراء الأردن

مشغل الصوت

بين الرومان والأمويين

في الصحراء الشرقية للأردن، يقفقصر الحلاباتشاهدًا على تعاقب حضارات مختلفة تركت بصماتها على المكان.

ويقع الموقع في محافظة الزرقاء، على بعد نحو53 كيلومترًا شمال شرقي عمّان، وفقدائرة الآثار العامة الأردنية.

ولم يكن الحلابات قصرًا منذ البداية.

فالموقع بدأ حصنًا رومانيًا، ثم تغيرت وظيفته وشكله عبر القرون، حتى أصبح في العصر الأموي مجمعًا معماريًا واسعًا يجمع بين السكن والعبادة والزراعة وإدارة المياه.

حصن يحرس الطريق

تشير المصادر الرسمية الأردنية إلى أن بدايات الموقع قد تعود إلى الفترة النبطية، عندما كان محطة على طرق التجارة.

وفي العصر الروماني تحول الموقع إلى حصن دفاعي لحماية الطريق الذي ربط مناطق بلاد الشام بالعقبة.

وعُثر في الموقع على نقش لاتيني يؤرخ لبناء حصن جديد في الفترة بين عامي212 و213 ميلادية، خلال عهد الإمبراطور كراكلا.

وكان موقع الحلابات مهمًا بسبب قربه من طرق الحركة والتجارة في المنطقة.

ولهذا لم يكن اختيار المكان عشوائيًا، بل ارتبط بموقعه الاستراتيجي في البادية.

من الحصن إلى الدير

لم يتوقف تاريخ الموقع عند الحقبة الرومانية.

وخلال الفترة البيزنطية، تغيرت طبيعة المكان، وتشير الأدلة الأثرية إلى ارتباطه بالغساسنة المسيحيين، الذين أعادوا استخدام الموقع وأضافوا إليه منشآت دينية.

وتذكر مصادر أردنية أن الموقع تحول في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي إلى دير وقصر في عهد الغساسنة.

وهكذا أصبح الحلابات مثالًا واضحًا على قدرة المواقع الاستراتيجية على تغيير وظائفها مع تغير القوى السياسية والدينية.

التحول الكبير فيالعصر الأموي

جاء التحول الأبرز في تاريخ الحلابات خلال العصر الأموي.

وتربط المصادر الرسمية إعادة بناء الموقع وتوسيعه بالخليفة الأمويهشام بن عبد الملك.

وأصبح الحصن القديم جزءًا من مجمع صحراوي أكثر اتساعًا، ضم القصر والمسجد والمنشآت المائية والحمامات ومرافق أخرى.

وتصف السفارة الأردنية في سنغافورة قصر الحلابات بأنه أحد أكبر المجمعات الصحراوية الأموية بعد إعادة بنائه.

قصر مربع بتفاصيل لافتة

يتخذ المبنى الرئيسي للقصر شكلًا مربعًا تقريبًا.

وتشير قاعدة بياناتDiscover Islamic Artإلى أن طول كل جانب يبلغ نحو44 مترًا، مع أبراج مربعة في الزوايا ومدخل في منتصف الجدار الشرقي.

واستخدم البناؤون الحجر البازلتي والحجر الجيري في أجزاء مختلفة من المجمع.

وفي الداخل توجد ساحة مركزية تحيط بها مجموعة من الغرف.

وتكشف هذه التفاصيل عن مبنى لم يكن مجرد حصن عسكري صغير، بل منشأة ذات وظائف متعددة.

الفسيفساءتحكي جانبًا آخر

من أبرز ما يميز الحلابات الأرضيات الفسيفسائية.

وتشير دائرة الآثار العامة الأردنية إلى وجود لوحات جدارية ونقوش، إلى جانب الفسيفساء التي تزين أجزاء من الموقع.

وتكتسب هذه الزخارف أهمية خاصة لأنها تكشف عن التفاعل الفني بين تقاليد مختلفة ظهرت في المنطقة قبل الإسلام وبعده.

ولهذا يمثل القصر مصدرًا مهمًا لفهم التحولات الفنية والمعمارية في الفترة الانتقالية بين العصور القديمة وبدايات الحضارة الإسلامية.

القصر.

مسجد أموي بجوار القصر

لا يقتصر الموقع على القصر.

فإلى الشرق من المبنى الرئيسي يوجد مسجد صغير يعود إلى العصر الأموي.

وتصفه المصادر الأردنية بأنه من أهم عناصر الموقع الإسلامية، إلى جانب القصر والمنشآت المائية.

ويقدم المسجد دليلًا على التحول الذي طرأ على الموقع بعد انتقال المنطقة إلى الحكم الإسلامي.

فالمكان الذي بدأ بوظيفة دفاعية أصبح جزءًا من مجمع يجمع بين الإقامة والعبادة والنشاط الزراعي.

الماء.. مفتاح الحياة في الصحراء

ربما يكون نظام المياه في الحلابات من أكثر عناصر الموقع إثارة للاهتمام.

فالمجمع احتوى على خزانات وآبار وبرك وقنوات لجمع مياه الأمطار والسيطرة عليها.

وتشير قاعدة بيانات المتحف الافتراضي للفن الإسلامي إلى وجودخزان ضخم وثمانية خزانات مياهضمن مكونات الموقع.

كما تذكر المصادر الرسمية وجود بركة لتجميع مياه الأودية وعدد من الخزانات المحفورة في الصخر الطبيعي.

وهذا النظام يوضح كيف تعامل سكان المنطقة مع واحدة من أصعب مشكلات الحياة في البادية:توفير المياه بصورة مستمرة.

حمام الصرح.. جزء من المجمع

يرتبط بقصر الحلابات موقع آخر مهم يعرف باسمحمام الصرحأوحمام السراح.

وكان الحمام منشأة متقدمة تضم قاعات باردة وفاترة وساخنة، إضافة إلى أنظمة لتوفير المياه والبخار.

وتوضح هذه المنشآت أن المجمع الأموي لم يكن مجرد نقطة عسكرية على طريق صحراوي.

بل كان مكانًا يجمع بين الإقامة والراحة والخدمات وإدارة الموارد.

هل كان قصرًا للترفيه أم مركزًا زراعيًا؟

هذه النقطة تكشف جانبًا مثيرًا في دراسة الحلابات.

فالباحثون لا يتفقون بالضرورة على وظيفة واحدة للمجمع.

وقد درست دائرة الآثار العامة الأردنية الموقع ضمن بحث بعنوان«قصر الحلابات: منتجع صحراوي أم أرض زراعية أموية؟»، وهو عنوان يعكس استمرار النقاش حول طبيعة استخدام المكان.

وتشير بقايا منشآت زراعية ونظام المياه إلى أن النشاط الزراعي كان جزءًا من حياة الموقع.

لذلك قد يكون المجمع قد أدى أكثر من وظيفة في الوقت نفسه.

زلزال يغير مصير الموقع

تعرض مجمع الحلابات للدمار في زلزال وقع عام748 ميلادية، وفق وكالة الأنباء الأردنية.

وبعد ذلك هُجر الموقع في نهاية العصر الأموي.

لكن انهيار المجمع لم يمحُ أثره.

فما تبقى من الجدران والفسيفساء والمنشآت المائية والمسجد يقدم اليوم صورة عن مرحلة مهمة من تاريخ الأردن والمنطقة.

اكتشاف أثري شديد الغرابة

شهد الموقع أيضًا اكتشافًا أثريًا غير معتاد.

فخلال أعمال التنقيب عام 2007، عثر علماء الآثار داخل إحدى صهاريج القصر على رفات ستة أشخاص يعود تاريخها إلى ما بعد العصر الأموي.

وأظهرت الدراسات وجود إصابات عنيفة على عدد من الهياكل العظمية، ما يشير إلى أن أصحابها تعرضوا لصراع أو قتل عنيف.

ويضيف هذا الاكتشاف فصلًا غامضًا إلى تاريخ الموقع، الذي لم يكن دائمًا مكانًا هادئًا للإقامة والراحة.

قصر يختصر تاريخ المنطقة

تكمن أهمية قصر الحلابات في أنه لا يمثل عصرًا واحدًا.

ففي موقع واحد يمكن تتبع طبقات متعاقبة من التاريخ:

نبطي → روماني → بيزنطي/غساني → أموي.

ولهذا تصفه دائرة الآثار العامة بأنه وثيقة تاريخية تجسد المرحلة الانتقالية بين أواخر العصور القديمة وبدايات العصور الوسطى ووصول الإسلام إلى المنطقة.

الخلاصة

قصر الحلابات ليس مجرد أطلال في الصحراء الأردنية.

إنه موقع يكشف كيف تغيرت وظيفة المكان عبر أكثر من ألف عام، من محطة مرتبطة بالطرق التجارية إلى حصن روماني، ثم إلى مجمع بيزنطي وغساني، وصولًا إلى واحد من أبرز المجمعات الصحراوية في العصر الأموي.

وتمنح الفسيفساء والمسجد والحمامات والخزانات والقنوات الموقع قيمة خاصة، لأنها تكشف جوانب مختلفة من الحياة السياسية والدينية والاقتصادية في تلك الفترة.

وربما يكون أجمل ما في الحلابات أن الصحراء التي تبدو اليوم قاحلة تخفي وراء حجارتها قصة طويلة عنالماء والطرق والتجارة والسلطة والحياة.

الشعر.. حين يتحول الكلام إلى سؤال عن الإنسان

جدارية نادرة تكشف مكانة الموسيقى والزخرفة في القصور الصحراوية

استهداف الثوابت.. قراءة تحليلية في الاستشراق والتشكيك في السنة النبوية

كيف ألهم منزل جورجيا أوكيف الصحراوي أشهر لوحاتها؟

ملاحظة:تختلف بعض المصادر في تحديد المرحلة الأولى لبناء الموقع وتفاصيل تطوره، لذلك اعتمد المقال في المعلومات الأساسية على مصادر أردنية رسمية ومصادر متخصصة، مع تجنب الجزم بالنقاط التي لا يوجد حولها اتفاق كامل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »