ثقافة

غواية الورق.. لماذا نقتني كتبًا أكثر مما نستطيع قراءته؟

مشغل الصوت

حين يصبح شراء الكتب متعة في حد ذاته

هناك علاقة غريبة تجمع بعض القراء بالكتب.

نشتري كتابًا لأن عنوانه جذبنا.

ثم نشتري آخر بسبب غلافه.

وقد نشتري ثالثًا لأن أحدهم تحدث عنه بإعجاب.

وبعد فترة، ننظر إلى رفوف المكتبة فنكتشف أنها تضم كتبًا أكثر مما نستطيع قراءته خلال سنوات طويلة.

ومع ذلك، لا نشعر بالندم.

بل نشعر بسعادة خاصة كلما أضفنا كتابًا جديدًا إلى المجموعة.

هنا تبدأغواية الورق.

لماذا نشتري كتبًا لن نقرأها قريبًا؟

لا يتعلق الأمر دائمًا بالحاجة إلى القراءة الفورية.

فالكتاب يمنح صاحبه شعورًا بوجود فرصة.

عندما نضع كتابًا على الرف، نشعر أن المعرفة أصبحت قريبة منا.

قد لا نقرأه اليوم.

وقد لا نقرأه الشهر المقبل.

لكننا نعرف أنه موجود.

وهذا الشعور وحده يمكن أن يكون ممتعًا.

فالكتاب لا يمثل محتوى فقط.

بل يمثل أيضًا احتمالًا مفتوحًا.

المكتبةكصورة عن صاحبها

تختلف مكتبة كل شخص عن الآخر.

هناك من يملأ رفوفه بالروايات.

وهناك من يفضل التاريخ والفلسفة.

ويختار آخرون كتب العلوم والفنون والسياسة.

ولهذا تتحول المكتبة مع الوقت إلى نوع من السيرة الشخصية.

يمكن للزائر أن يعرف الكثير عن صاحبها بمجرد النظر إلى العناوين.

قد يجد فيها كتبًا اشتراها صاحبها في شبابه.

وقد يجد كتبًا ارتبطت بمرحلة معينة من حياته.

كما يمكن أن يرى اهتمامات اختفت لاحقًا.

الكتاب الذي ينتظر دوره

بعض الكتب تعيش سنوات على الرف قبل أن نفتحها.

وقد نمر بجانبها مرات كثيرة.

ثم يأتي يوم نحتاج فيه إلى موضوعها.

فنتذكر الكتاب.

نأخذه من الرف.

ونبدأ القراءة.

في تلك اللحظة نشعر أن شراءه كان قرارًا صحيحًا.

وهذا أحد أجمل جوانب المكتبات.

فالكتاب لا يفرض موعدًا على صاحبه.

إنه ينتظر.

الوقت هو المشكلة الحقيقية

المشكلة ليست في عدد الكتب.

بل في محدودية الوقت.

يمكن للإنسان شراء عشرات الكتب في عام واحد.

لكن قدرته على القراءة محدودة.

حتى القارئ النهم لا يستطيع قراءة كل ما يلفت انتباهه.

ومع مرور السنوات، تكبر القائمة.

كتاب بعد كتاب.

وتتحول قائمة القراءة إلى مشروع لا ينتهي.

وهذا ليس أمرًا سيئًا بالضرورة.

فوجود كتب كثيرة حولنا قد يكون تذكيرًا دائمًا بأن العالم أكبر من معرفتنا.

هل نشتري الكتب أم نشتري صورة عن أنفسنا؟

هنا يصبح السؤال أكثر إثارة.

أحيانًا نشتري الكتاب لأننا نريد أن نكون الشخص الذي يقرأه.

نشتري كتابًا في الفلسفة لأننا نريد أن نتعمق في الفلسفة.

ونشتري كتابًا في التاريخ لأننا نريد معرفة الماضي.

وقد نشتري كتابًا في علم النفس لأننا نريد فهم الإنسان.

لكن شراء الكتاب لا يعني أننا أصبحنا نعرف موضوعه.

وهنا يجب التمييز بينامتلاك المعرفةوامتلاك مصدر المعرفة.

فالكتاب الموجود على الرف لم يغيرنا بعد.

التغيير يبدأ عندما نفتحه ونقرأه.

مكتبة كبيرة.. وقائمة أكبر

مع انتشار المتاجر الإلكترونية، أصبح شراء الكتب أسهل بكثير.

لم يعد القارئ بحاجة إلى زيارة مكتبة في كل مرة.

يمكنه شراء الكتاب خلال دقائق.

وقد يشتري عدة كتب في عملية واحدة.

لكن سهولة الشراء صنعت مشكلة جديدة.

فالقائمة تكبر بسرعة أكبر من قدرتنا على القراءة.

ولهذا أصبح بعض القراء يمتلكون مكتبات رقمية ضخمة أيضًا.

آلاف الكتب يمكن أن تجتمع داخل جهاز صغير.

ومع ذلك، تظل المشكلة نفسها:

متى سنقرأ كل هذا؟

لماذا يظل الورق مختلفًا؟

رغم انتشار الكتب الإلكترونية، يحتفظ الكتاب الورقي بجاذبية خاصة.

يمكننا لمس الغلاف.

وقلب الصفحات.

ووضع علامة بالقلم.

ورؤية الكتاب على الرف بعد الانتهاء منه.

كما تحمل الكتب القديمة آثار أصحابها.

قد نجد ملاحظة على الهامش.

أو توقيعًا في الصفحة الأولى.

أو تذكرة قديمة بين الصفحات.

وهذه التفاصيل تمنح الكتاب حياة تتجاوز الكلمات المكتوبة داخله.

رائحة الكتبليست مجرد تفصيل

يتحدث كثير من القراء عن رائحة الكتب.

وقد تبدو المسألة عاطفية أكثر منها عملية.

لكن الرائحة ترتبط بالذاكرة.

فالإنسان قد يتذكر مكانًا كاملًا بمجرد رائحة معينة.

ولهذا يمكن لرائحة الورق والحبر أن تعيد إلى الذهن ذكريات مكتبة أو مدرسة أو بيت قديم.

وهكذا يصبح الكتاب تجربة حسية أيضًا.

الكتب غير المقروءة ليست بالضرورة مضيعة للمال

قد يبدو رف الكتب غير المقروءة دليلًا على الإسراف.

لكن الأمر يعتمد على صاحبه.

إذا كان شراء الكتب يسبب مشكلة مالية حقيقية، فهنا يجب إعادة النظر.

أما إذا كان القارئ يشتري ضمن قدرته، فقد يكون الأمر مجرد هواية.

كما أن الكتاب يمكن أن يبقى مصدرًا للمعرفة لسنوات.

وليس من الضروري أن يقرأه صاحبه فور شرائه.

متى تتحول الغواية إلى مشكلة؟

تتحول الهواية إلى مشكلة عندما يفقد الإنسان السيطرة عليها.

قد يشتري شخص كتبًا أكثر من حاجته باستمرار.

وقد ينفق أموالًا لا يستطيع تحملها.

أو يشتري نسخًا متعددة من الكتب نفسها.

وقد يصبح الشراء بديلًا عن القراءة.

وهنا تظهر المفارقة.

فالإنسان يشتري الكتب لأنه يحب القراءة، لكنه يقضي وقتًا أطول في الشراء من القراءة.

الحل ليس التوقف عن شراء الكتب

ربما لا يحتاج محب الكتب إلى التوقف تمامًا.

بل يحتاج إلى تحقيق توازن بسيط.

يمكن تحديد ميزانية شهرية للكتب.

كما يمكن تخصيص وقت ثابت للقراءة.

ويمكن أيضًا إنشاء رف خاص بالكتب التي يريد القارئ قراءتها قريبًا.

وبعد الانتهاء منها، تنتقل إلى مكان آخر.

بهذه الطريقة تتحول المكتبة من مخزن للكتب إلى مساحة حقيقية للقراءة.

لا يمكننا قراءة كل شيء

هذه هي الحقيقة التي يكتشفها القارئ مع الوقت.

هناك آلاف الكتب التي نريد قراءتها.

لكن العمر محدود.

والوقت أكثر محدودية.

لذلك لا بد من الاختيار.

ليس الهدف أن نقرأ كل الكتب.

بل أن نقرأ الكتب التي تستحق وقتنا.

وقد يكون اختيار كتاب واحد جيد أفضل من شراء عشرة كتب لن نفتحها.

ماذا تقول الكتب التي لم نقرأها؟

حتى الكتب غير المقروءة يمكن أن تعلمنا شيئًا.

إنها تذكرنا بحدود معرفتنا.

وتذكرنا بأن هناك دائمًا موضوعات لا نعرف عنها شيئًا.

كما تجعل المكتبة مساحة لاحتمالات جديدة.

كل عنوان على الرف يمكن أن يقود إلى فكرة مختلفة.

وربما لهذا السبب تحديدًا نواصل شراء الكتب.

غواية الورق لا تنتهي

يبقى الكتاب الورقي أكثر من وسيلة لنقل المعلومات.

إنه شيء نمتلكه ونلمسه ونضعه بجوار الكتب التي قرأناها.

وقد يصبح جزءًا من ذاكرة المكان.

لهذا لا يبدو غريبًا أن يشتري الإنسان كتابًا يعرف أنه لن يقرأه قريبًا.

ربما هو لا يشتري الكتاب وحده.

بل يشتريوعدًا بوقت قادم.

وقت يجلس فيه بهدوء.

يفتح الصفحات.

ويبدأ رحلة جديدة.

الخلاصة

غواية الورقليست مجرد رغبة في جمع الكتب.

إنها علاقة بين الإنسان والمعرفة والوقت والذاكرة.

نشتري كتبًا أكثر مما نستطيع قراءته.

لكننا نحتفظ بها لأن وجودها يمنحنا شعورًا بأن المعرفة قريبة.

ومع ذلك، تظل هناك حقيقة بسيطة:

الكتاب الذي نمتلكه لا يمنحنا المعرفة بمجرد وجوده على الرف.

نحن نحتاج إلى فتحه.

والقراءة هي اللحظة التي تتحول فيها الصفحات من أشياء جميلة إلى أفكار تعيش داخلنا.

وربما لا نستطيع قراءة كل الكتب التي نقتنيها.

لكن أجمل ما في المكتبة أنها تذكرنا دائمًا بأنهناك كتابًا آخر ينتظرنا.

مكتبات الكتّاب والفلاسفة.. حين تتحول الكتب إلى مرآة لأصحابها

فيلسوفة إسبانية تقترح طريقًا مختلفًا للسعادة.. لماذا لا تكفي المتعة وحدها؟

جبل أوليمبوس وشواطئ نورماندي على قائمة التراث العالمي

على خُطى «فلوبير»… في أحضان منطقة الـ«نورماندي»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »