
مشغل الصوت
سؤال يبدو قاسيًا.. لكنه يستحق التأمل
هل كاننجيب محفوظقاسيًا على أبناء بلده؟
السؤال قد يبدو للوهلة الأولى غريبًا، خصوصًا أن محفوظ ارتبط في ذاكرة القراء بصورة القاهرة وأحيائها وشوارعها وناسها.
لكنه يصبح أكثر إثارة عندما نتأمل الشخصيات التي ملأت عالمه الروائي.
فهناك الفقير والمحتال، والموظف المرتشي، والانتهازي، والعاشق المهزوم، والمرأة التي يدفعها الفقر إلى حافة السقوط، والفتوة الذي يفرض سلطته بالقوة.
وقد يبدو المجتمع المصري في بعض أعمال محفوظ عالمًا قاسيًا ومليئًا بالعيوب.
لكن هل كان محفوظ يكره هذا المجتمع؟
ربما كان العكس تمامًا.
محفوظ لم يكتب عن المصريين من الخارج
واحدة من أهم سمات أدب محفوظ أنه لم يتعامل مع مصر كموضوع سياحي أو كخلفية للأحداث.
لقد جعل المجتمع المصري نفسه بطلًا متكررًا في أعماله.
وتوضح دراسات أدبه أن مرحلته الواقعية، التي بدأت بروايات مثل «القاهرة الجديدة» و«خان الخليلي»، اقتربت بصورة مباشرة من المجتمع وتحولاته، قبل أن تبلغ ذروتها في «الثلاثية».
في «الثلاثية» مثلًا، لم يرسم محفوظ أسرة السيد أحمد عبد الجواد باعتبارها أسرة معزولة.
بل جعلها نافذة واسعة نطل منها على القاهرة وتحولاتها الاجتماعية والسياسية خلال النصف الأول من القرن العشرين.
وهنا تظهر نقطة مهمة:
من ينتقد المجتمع لا يعني بالضرورة أنه يحتقره.
«القاهرة الجديدة».. عندما يصبح الفقر شريكًا في الجريمة
في «القاهرة الجديدة»، يقدم محفوظ شخصيةمحجوب عبد الدايم.
وهي شخصية يصعب نسيانها.
شاب فقير يريد أن يصعد اجتماعيًا بأي ثمن، فيجد نفسه مستعدًا للتنازل عن كثير من المبادئ.
قد يقرأ البعض الشخصية باعتبارها إدانة للإنسان المصري.
لكن القراءة الأعمق ترى فيها إدانة للظروف التي يمكن أن تحول الإنسان إلى نسخة لا تشبه أحلامه الأولى.
وقد تناولت «الأهرام» الرواية باعتبارها صورة للفساد الاجتماعي والسياسي، مع الإشارة إلى أن الفقر والاختلال الطبقي دفعا الشخصية نحو خيارات أخلاقية قاسية.
محفوظ هنا لا يقول: «انظروا كم أنتم سيئون».
بل يسأل:ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الفقر أقوى من قدرته على الاختيار؟
«بداية ونهاية».. القسوة التي تخفي الشفقة
ربما تبدو «بداية ونهاية» من أكثر أعمال محفوظ قسوة.
عائلة فقيرة تواجه الموت والفقر والانهيار.
والشخصيات لا تحصل على فرص متساوية.
وتدفعنفيسةثمنًا بالغ القسوة لظروف اجتماعية لم تصنعها وحدها.
لكن محفوظ لا يقدمها باعتبارها شخصية فاسدة تستحق العقاب.
إنما يجعل مأساة الشخصية صرخة ضد مجتمع يحاصر الإنسان بالفقر والنظرة الطبقية.
وتشير قراءة «الأهرام» لأدبه إلى أن شخصيات مثل نفيسة وإحسان في «القاهرة الجديدة» تحولت لدى محفوظ إلى احتجاج أدبي على استغلال المرأة وإهدار كرامتها.
وهنا تختفي فكرة «القسوة» قليلًا.
فالكاتب القاسي هو الذي يسخر من ضحيته.
أما محفوظ فكان غالبًا يضع الضحية أمامنا ويجبرنا على النظر إلى أسباب سقوطها.
وفي «الثلاثية».. لم يكن المصريون مجرد شخصيات سيئة
إذا كانت بعض أعمال محفوظ تقدم صورًا مظلمة للمجتمع، فإن «الثلاثية» تقدم صورة أكثر تعقيدًا.
هناك الأب المتسلط.
وهناك الابن المتمرد.
وهناك الأم التي تحاول الحفاظ على الأسرة.
وهناك المتدين والمنفتح والمحافظ والثائر.
الجميع يتحركون داخل مجتمع يتغير بسرعة.
ولهذا وصفت «الثلاثية» بأنها سجل اجتماعي للعادات والتقاليد والتحولات التي عاشتها القاهرة خلال عقود متتابعة.
محفوظ لم يبحث عن «المصري الشرير».
بل بحث عنالإنسان المصري بكل تناقضاته.
حتى الفتوات لم يكونوا مجرد أشرار
في عالم محفوظ تظهر الحارة باعتبارها مجتمعًا مصغرًا.
فيها القوة والضعف.
وفيها الظلم والعدل.
وفيها الفتوة والفقير.
وفيها من يحاول مقاومة الظلم، ومن يستفيد منه.
وهذه الحارة تحولت عند محفوظ إلى مساحة واقعية ورمزية في الوقت نفسه، خصوصًا في أعماله اللاحقة.
لذلك فإن شخصية الفتوة ليست مجرد شخصية عنيفة.
إنها سؤال عن السلطة.
من يملك القوة؟ ومن يمنحه المجتمع حق استخدامها؟
«أولاد حارتنا».. حين تجاوز النقد حدود الحارة
بعد ثورة يوليو 1952، تغير مسار محفوظ الأدبي.
وتوقف عن الكتابة الأدبية سنوات، ثم عاد بـ«أولاد حارتنا» في نهاية الخمسينيات.
هنا لم يعد نقد المجتمع مباشرًا كما كان في أعماله الواقعية.
انتقل محفوظ إلى الرمز.
وأصبحت الحارة صورة أوسع للإنسان والسلطة والعدالة والعلم.
وفي تفسير محفوظ نفسه، كانت فكرة العدالة في «أولاد حارتنا» مرتبطة بالسؤال عن القوة والحب والعلم بوصفها وسائل لتحقيقها. كما ربط بداية الرواية بخيبة أمل من عودة الامتيازات والطبقية في المجتمع بعد الثورة.
إذن حتى أكثر أعماله إثارة للجدل لم تكن مجرد هجوم على المصريين.
كانت محاولة لطرح سؤال أكبر:
لماذا يفشل الإنسان في صناعة مجتمع عادل؟
محفوظ انتقد السلطة أيضًا
وهنا تظهر إجابة مهمة عن السؤال.
إذا كان محفوظ «قاسيًا» على المصريين، فلماذا كان نقده يتجه أيضًا إلى السلطة والأنظمة الاجتماعية والسياسية؟
في حديث منشور عنه، أوضح محفوظ أن انتقاداته لنظام الحكم كانت تهدف إلى توضيح الأخطاء، وأنها لم تكن موجهة إلى أشخاص بعينهم.
وهذه نقطة فارقة.
فمحفوظ لم يضع نفسه خارج المجتمع ليدينه.
كان جزءًا منه، ويكتب من داخله.
المصري عند محفوظ ليس مذنبًا دائمًا
هناك جانب آخر كثيرًا ما يضيع عند قراءة محفوظ.
فهو لم يكتب عن الشخصيات الضعيفة باعتبارها عديمة القيمة.
بل منحها مساحة كبيرة من التعاطف الإنساني.
أمينةفي «الثلاثية» مثال واضح.
وهي امرأة تبدو بسيطة ومحدودة العالم، لكنها تحمل قدرًا كبيرًا من التضحية والحنان والقدرة على حماية الأسرة.
كذلك تظهر المرأة عند محفوظ في صور متعددة، من الأم إلى العاملة والفقيرة والمثقفة والمرأة العصرية.
وهذا التنوع يؤكد أن مشروعه لم يكن تشويه صورة المصريين.
كان يريد أن يرى الإنسان في ظروفه.
لماذا نشعر أحيانًا بأنه قاسٍ؟
ربما لأن محفوظ لم يكن يحب تجميل الواقع.
لم يقل إن الفقر جميل.
ولم يحول الحارة إلى مكان مثالي.
ولم يجعل كل فقير نبيلًا، ولا كل غني شريرًا.
كما لم يقدم المصريين باعتبارهم شعبًا بلا عيوب.
كان يترك التناقضات أمام القارئ.
ولهذا قد يشعر القارئ أحيانًا بأن الكاتب يضغط على الجرح بدلًا من تغطيته.
لكن هذه ليست بالضرورة قسوة.
قد تكونواقعية شديدة.
والأهم.. أنه كان يرى إمكانية التغيير
لو كان محفوظ يرى أن المجتمع المصري محكوم عليه بالفساد، لما كان نقده يحمل كل هذه الطاقة.
النقد عنده لم يكن نهاية الطريق.
كان دعوة غير مباشرة إلى رؤية الخلل.
وهذا يفسر لماذا ارتبط أدبه بقضايا العدالة والحرية والسلطة والفقر والعلم.
ففي «أولاد حارتنا» مثلًا، ظل سؤال العدالة حاضرًا بقوة، بينما انتقلت أعماله بعد المرحلة الواقعية إلى أشكال رمزية وفكرية أكثر اتساعًا.
القسوة على المجتمع قد تكون نوعًا من الحب
هناك فرق بين أن تكره مجتمعًا وأن ترفض أن تكذب عليه.
نجيب محفوظ اختار الطريق الثاني.
لم يمنح مصر صورة مثالية.
لكنه أيضًا لم يسلبها إنسانيتها.
كتب عن القاهرة لأنها كانت مدينته.
وكتب عن الحارة لأنها كانت جزءًا من ذاكرته.
وكتب عن المصريين لأنهم كانوا مادته الإنسانية الأولى.
ولهذا فإن عيوب شخصياته لا تعني بالضرورة عيوب المصريين جميعًا.
إنها مرآة لزمن محدد، وطبقات اجتماعية محددة، وصراعات إنسانية تتكرر بأشكال مختلفة.
الخلاصة
هل قسا نجيب محفوظ على أبناء بلده؟
نعم، يمكن القول إنه كان قاسيًا في كشف العيوب، لكنه لم يكن قاسيًا في حكمه على الإنسان.
وهذا فرق جوهري.
لقد كشف الفقر والفساد والاستبداد والانتهازية والطبقية، لكنه في الوقت نفسه بحث عن جذور هذه الظواهر، ووضع شخصياته داخل ظروفها الاجتماعية والتاريخية.
ولم تكن مصر عنده بلدًا سيئًا.
كانت بلدًايستحق أن يفهمه أبناؤه وأن يتغير إلى الأفضل.
وربما لهذا بقي أدبه حيًا.
فمحفوظ لم يكتب للمصريين كي يصفقوا لأنفسهم أمام مرآة جميلة.
كتب لهم مرآة صادقة.
وأحيانًا تكون المرآة التي تكشف العيوب أكثر حبًا من المرآة التي تخفيها.
قصر الحلابات.. حكاية حصن روماني تحول إلى تحفة أموية في صحراء الأردن
استهداف الثوابت.. قراءة تحليلية في الاستشراق والتشكيك في السنة النبوية
جدارية نادرة تكشف مكانة الموسيقى والزخرفة في القصور الصحراوية
كيف ألهم منزل جورجيا أوكيف الصحراوي أشهر لوحاتها؟
ملاحظة:هذه قراءة نقدية تستند إلى مسار أعمال محفوظ ودراسات ومواد صحفية وأرشيفية عنه، وليست حكمًا نهائيًا على أدبه. كما أن تفسير أعماله يختلف بين النقاد والباحثين باختلاف المنهج وزاوية القراءة.







