أخبار الجاليات

الغربة التي لا يتحدث عنها أحد.. عندما يصبح الرجوع إلى الوطن قرارًا صعبًا

مشغل الصوت

في بدايةالغربة، يكون كل شيء واضحًا.

تسافر وأنت تحمل حقيبة، وبعض المال، وأوراقًا كثيرة، وصورًا لأشخاص تركتهم خلفك، ومعها حلم يبدو بسيطًا:أعمل، أحسن حياتي، أساعد أهلي، ثم أعود.

لكن السنوات تفعل شيئًا غريبًا بالإنسان.

البيت الذي تركته في وطنك يتغير، والشارع الذي كنت تعرف كل تفاصيله يتبدل، والأصدقاء ينشغلون بحياتهم، والأبناء يكبرون، وأنت في الوقت نفسه تبني حياة أخرى في بلد لم يكن في البداية سوى محطة مؤقتة.

ثم يأتي اليوم الذي تكتشف فيه أن سؤالًا كنت تؤجله لسنوات أصبح واقعيًا:

هل أعود؟

وهنا تبدأ واحدة من أصعب مراحل الغربة؛ لأن العودة التي كانت تبدو حلمًا في بداية الرحلة قد تتحول بعد سنوات إلى قرار معقد.

في البداية.. «سأعود بعد سنوات»

كثير منالمغتربين العرب في إيطالياوغيرها من الدول الأوروبية يبدأون حياتهم بفكرة العودة.

يقول المغترب لنفسه:

سأعمل عدة سنوات.

سأجمع مبلغًا جيدًا.

سأشتري شقة.

سأساعد أسرتي.

ثم أعود إلى بلدي وأعيش بين أهلي.

هذه الخطة تبدو منطقية جدًا في البداية.

لكن الحياة لا تسير دائمًا وفق الخطط.

تأتي وظيفة أفضل.

ثم عقد عمل.

ثم منزل.

ثم زواج وأطفال.

ثم يدخل الأبناء المدارس.

ثم تصبح لديك دائرة أصدقاء وعلاقات ومكان تعرفه جيدًا.

وفجأة تمر عشر سنوات أو عشرون سنة.

وعندما تفكر في العودة، تكتشف أن المسألة لم تعد مجرد شراء تذكرة طائرة.

لقد أصبحت هناكحياة كاملة في الجهة الأخرى.

الوطنالذي تركته لم يعد كما كان

أصعب ما في العودة أن الإنسان لا يعود إلى الماضي.

وهذه حقيقة قد تكون مؤلمة.

المغترب عندما يتحدث عن وطنه يتحدث غالبًا عن صورة محفوظة في ذاكرته: البيت القديم، الجيران، الأصدقاء، المقهى، الشارع، الأهل، المناسبات، رائحة الطعام، تفاصيل صغيرة ربما لم يكن ينتبه إليها عندما كان يعيش هناك.

لكن السنوات لا تتوقف.

البيت قد يتغير.

الأصدقاء قد يسافرون.

الجيران قد يرحلون.

الأماكن التي أحببتها قد تختفي.

والأهم من ذلك كله أنأنت نفسك تغيرت.

وهنا قد يعود الإنسان إلى وطنه، لكنه لا يجد تمامًا الوطن الذي كان يبحث عنه.

ليس لأن الوطن تغير فقط، بل لأنه هو أيضًا لم يعد الشخص نفسه.

وفيإيطالياأيضًا أصبحت لك حياة

المغترب الذي يعيش سنوات طويلة في إيطاليا لا يبقى الشخص الذي وصل إليها في اليوم الأول.

في البداية كانت اللغة غريبة.

القوانين غير مفهومة.

الشوارع جديدة.

والناس غرباء.

لكن مع الوقت تبدأ في فهم المجتمع.

تعرف طريقك.

تتعامل مع المؤسسات.

تتعلم اللغة.

تكون علاقات.

تعرف أين تشتري احتياجاتك.

وتصبح لديك أماكن تحبها.

ربما يصبح لك منزل لم تعد تعتبره مجرد مكان للإقامة.

وربما يكبر أبناؤك وهم يرون إيطاليا وطنهم الطبيعي.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية.

كيف تعود إلى وطنك دون أن تشعر أنك تغادر وطنًا آخر؟

الأبناء يغيرون معادلة العودة

ربما يستطيع الأب أو الأم اتخاذ قرار العودة بسهولة نسبيًا، لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما يكبر الأبناء في إيطاليا.

فالطفل الذي ولد هناك أو قضى معظم حياته في المدارس الإيطالية قد يرى العالم بطريقة مختلفة عن والديه.

لغته اليومية قد تكون الإيطالية.

أصدقاؤه في إيطاليا.

دراسته ومستقبله المهني مرتبطان بها.

ذكرياته الأولى هناك.

ولهذا فإن ما يراه الأب «عودة إلى الوطن» قد يراه الابنانتقالًا إلى بلد آخر.

وهذه واحدة من أصعب القضايا التي تواجه الأسر المهاجرة.

الأب يريد أن يعود إلى المكان الذي يشعر أنه ينتمي إليه.

والابن يريد أن يبقى في المكان الذي نشأ فيه.

ولا توجد إجابة واحدة صحيحة تصلح للجميع.

المال ليس كل شيء

في بداية الغربة، يكون المال غالبًا أحد أهم أسباب السفر.

لكن بعد سنوات، يبدأ الإنسان في اكتشاف أن المال ليس المشكلة الوحيدة.

قد يكون لديك بيت.

وقد يكون لديك حساب مصرفي.

وقد تكون قادرًا على شراء أشياء لم تكن تستطيع شراءها في وطنك.

ومع ذلك قد تشعر بالوحدة.

لأن الإنسان لا يعيش بالمال وحده.

يحتاج إلى عائلة.

إلى أصدقاء.

إلى ذكريات.

إلى الشعور بأنه مفهوم ومقبول.

وهنا تظهر المفارقة:

قد ينجح الإنسان اقتصاديًا في الغربة، لكنه لا يشعر بالضرورة بأنه نجح إنسانيًا.

وهذا لا يعني أن الغربة فاشلة، ولا أن العودة هي الحل.

إنها فقط تذكرنا بأن النجاح له أكثر من شكل.

لماذا تصبح العودة صعبة؟

لأن العودة ليست قرارًا اقتصاديًا فقط.

هناك عشرات الأسئلة التي تظهر معها:

هل سأجد عملًا مناسبًا؟

هل أستطيع الحفاظ على المستوى المعيشي الذي اعتدت عليه؟

هل يستطيع أبنائي التأقلم؟

ماذا سأفعل بعد العودة؟

هل سأشعر بالراحة؟

هل سأندم؟

هل ما زال المجتمع الذي تركته منذ سنوات هو المجتمع نفسه؟

وماذا سأفعل إذا اكتشفت أنني لم أعد أشعر أنني أنتمي بالكامل إلى أي مكان؟

هذه الأسئلة تجعل بعض المغتربين يؤجلون العودة عامًا بعد عام.

ثم يتحول «سأعود يومًا» إلى سنوات طويلة.

الغربة ليست دائمًا مكانًا

هناك نوع من الغربة لا علاقة له بالمسافة.

يمكن أن تكون وسط عشرات الأشخاص وتشعر أنك وحيد.

ويمكن أن تعيش بعيدًا عن وطنك وتجد حولك أشخاصًا أصبحوا عائلتك.

ولهذا فإن الغربة الحقيقية ليست دائمًا أن تكون بعيدًا عن بلدك.

أحيانًا تكون الغربة أنلا تجد المكان الذي تستطيع فيه أن تكون نفسك دون أن تشرح نفسك باستمرار.

وهذا الشعور قد يمر به المغترب في إيطاليا في لحظات مختلفة: في الأعياد، عند المرض، عندما يحتاج إلى أحد أفراد أسرته، أو عندما يحدث شيء مهم ولا يجد من يشاركه اللحظة كما كان يحدث في وطنه.

الأعياد تكشف ما تخفيه الأيام

يمكن للإنسان أن ينسى الغربة أثناء العمل.

ينشغل.

يتحرك.

يخرج.

يلتقي الناس.

لكن هناك لحظات تعيد كل شيء إلى الذاكرة.

الأعياد واحدة منها.

في تلك الأيام يتذكر المغترب البيت القديم، اجتماع الأسرة، أصوات الأقارب، الطعام الذي اعتاد عليه، والوجوه التي ربما لم يعد يراها إلا عبر الهاتف.

وفي لحظات كهذه، لا يكون السؤال عن المال أو العمل.

يكون السؤال ببساطة:

لماذا أنا بعيد؟

وهذا السؤال لا يحتاج إلى إجابة سهلة.

هل العودة دائمًا أفضل؟

ليس بالضرورة.

وهذه نقطة يجب أن نقولها بوضوح.

العودة إلى الوطن ليست نهاية سعيدة تلقائية، كما أن البقاء في إيطاليا ليس نجاحًا تلقائيًا.

هناك من يعود ويجد راحته.

وهناك من يعود ثم يكتشف أنه لم يعد قادرًا على التأقلم.

وهناك من يبقى في إيطاليا ويشعر أنه وجد حياته.

وهناك من يبقى لكنه يظل يحلم بالعودة.

الاختيار الصحيح يختلف من إنسان إلى آخر، بحسب عمره وعائلته وعمله وأبنائه ووضعه الاقتصادي والنفسي والاجتماعي.

ولهذا ربما يكون الخطأ الأكبر هو أن نحكم على تجربة مغترب آخر من تجربتنا الشخصية.

أصعب شيء في الغربة أن الزمن لا ينتظر أحدًا

قد يسافر الإنسان وهو في العشرينات، ويعتقد أن لديه كل الوقت.

ثم يكتشف فجأة أنه أصبح في الأربعين أو الخمسين.

الأبناء كبروا.

الوالدان تقدما في العمر.

بعض الأحباب رحلوا.

والبيت الذي كان ينتظره لم يعد ينتظره بالطريقة نفسها.

وهنا يشعر الإنسان أن الغربة لم تأخذ منه المال أو الوقت فقط، بل أخذت أحيانًالحظات لا يمكن استعادتها.

وهذه ربما هي الضريبة الأكثر قسوة للهجرة.

لأن المال يمكن تعويضه.

والعمل يمكن تغييره.

لكن السنوات التي مرت لن تعود.

ومع ذلك.. ليست الغربة قصة حزن

رغم كل ذلك، لا ينبغي أن ننظر إلى الغربة باعتبارها مأساة.

فالغربة منحت ملايين البشر فرصًا لم تكن متاحة لهم في أماكن أخرى.

منحتهم العمل والخبرة والاستقلال، وفتحت لأبنائهم أبوابًا جديدة، وجعلتهم يتعرفون على ثقافات مختلفة، ويكتسبون خبرات لا يمكن الحصول عليها إلا بالعيش خارج الوطن.

المشكلة ليست في الغربة نفسها.

المشكلة في أن الإنسان قد ينسى أحيانًا لماذا بدأ الرحلة، أو يكتشف بعد سنوات أنه أصبح ممزقًا بين مكانين.

ولهذا فإن أفضل ما يمكن أن يفعله المغترب هو ألا يؤجل حياته إلى «بعد العودة».

إذا قرر البقاء، فليعش حياته حيث هو.

وإذا قرر العودة، فليخطط لها بواقعية.

أما أن يظل سنوات طويلة يعيش وكأنه ينتظر أن تبدأ حياته يومًا ما، فهذه هي الغربة التي تستحق أن نتوقف عندها.

في النهاية.. أين الوطن؟

ربما لا توجد إجابة واحدة.

بالنسبة لشخص، الوطن هو المكان الذي ولد فيه.

وبالنسبة لآخر، الوطن هو المكان الذي يعيش فيه أبناؤه.

وثالث قد يرى أن الوطن هو المكان الذي يشعر فيه بالأمان.

ورابع قد يكتشف بعد سنوات أن الوطن لم يعد نقطة على الخريطة أصلًا.

بل أشخاصًا.

ذكريات.

لغة.

رائحة بيت.

وصوت أم أو أب.

وربما لهذا السبب تبقى الغربة تجربة مختلفة من شخص إلى آخر.

فبعض المغتربين يعودون يومًا، وبعضهم يبقى حتى النهاية، وبعضهم يعيش بقلب في إيطاليا وقلب آخر في الوطن.

لكن الشيء الذي يجمعهم جميعًا هو أنهم يعرفون معنى أن تبتعد عن المكان الذي نشأت فيه، ثم تكتشف بعد سنوات أنأصعب سؤال ليس: متى سأعود؟ بل: أين أصبحت حياتي الآن؟

وهذا هو الوجه الذي لا تتحدث عنه كثيرًا أخبار الهجرة.

فخلف أرقام المهاجرين وتصاريح الإقامة وعقود العمل والتحويلات المالية، يوجد إنسان له قصة، وذكريات، وأشخاص يحبهم، وقرار مؤجل منذ سنوات.

الغربة ليست فقط أن تعيش بعيدًا عن الوطن.. أحيانًا تكون الغربة أن تقف بين وطنين، ولا تعرف أيهما سيحتوي بقية عمرك.

عرب إيطاليا.. من تشتت الجمعيات إلى تنظيم أكثر فاعلية

أفضل وقت لحجز تذاكر الطيران من أوروبا لتوفير المال

السفر الاقتصادي في أوروبا: كيف تتحرك بميزانية محدودة

نصائح السفر مع الأطفال من أوروبا إلى الوطن العربي بدون تعب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »