
مشغل الصوت
روما- محمد يوسف
قرأت بمزيج من الحيرة والدهشة مقال أ.م د. سيد ضيف الله المنشور في جريدتى الموقرة وبيتى الذى ترعرعت فيه «المصري اليوم» بعنوان «الحق في تشويه أكاديمية الفنون ومبرراته». وبحكم التخصص في نقد المقالات وطبيعة عملى كصحافى ، ودفاعًا عن ضمير الكلمة وحق أصحاب الحقوق، يصبح من الضروري التوقف أمام هذا الطرح، لا لمجرد الاختلاف معه، وإنما لمساءلة منطق الضيف افندى نفسه.
فالمقال يحاول ـ بقصد أو بغير قصد ـ نقل النقاش من سؤال جوهري: لماذا يلجأ أصحاب المظالم إلى الشكوى والإعلام والقضاء؟ إلى سؤال آخر: لماذا يشوّه هؤلاء المؤسسة؟
وهذا قلبٌ لموضع المشكلة.
فاللجوء إلى الشكوى والعرائض الرسمية ليس رفاهية، ولا استعراضًا بلاغيًا، ولا «كرنفالًا إداريًا»، وإنما هو أحد المسارات المشروعة أمام من يرى أن حقه لم يحصل عليه بالطريق الطبيعي.
ست سنوات فى ساحات المحاكم يامفترى …. طيب بتدافع عن نزاهة مين تحديدا ؟
والأكثر إثارة للتساؤل أن صاحب المقال نفسه يقدم في بدايته تجربته الشخصية باعتبارها تجربة استمرت ست سنوات في ساحة القضاء وانتهت، وفق روايته، إلى حصوله على التعيين بحكم محكمة، مستشهدًا بالمثل الشعبي: «اللي مالوش ضهر ينضرب على بطنه».
وهنا يحق لنا أن نسأل بكل وضوح:
إذا كان القضاء قد كان طريقًا مشروعًا لاسترداد حقك يادكتور سيد عندما لم يكن لك «ضهر»، فلماذا تتحول الشكاوى والمذكرات التي يلجأ إليها أصحاب مظالم آخرون إلى «كرنفالات إدارية»؟ هذا رياء بواح ياضيف أفندى منه لله اللى خلاك دكتور !؟
هل يكون اللجوء إلى القانون دفاعًا عن الحق عندما يكون صاحب القضية هو المتضرر، ثم يصبح اللجوء إلى المذكرات والشكاوى عبثًا أو «بلاغة» عندما يفعله الآخرون؟ مالكم كيف تحكمون ياضيف أفندى !؟
العدالة لا تتغير بتغير صاحب الشكوى.
المذكرة ليست «كرنفالًا».. إنها سلاح من لا يملك «ظهرًا»
حين يتحدث المقال عن «بلاغة كتابة المذكرات والشكاوى»، وكأن كتابة الشكوى أصبحت نشاطًا ترفيهيًا أو وسيلة للتكسب، فإنه يغفل جوهرًا بسيطًا:
المذكرة هي أداة من لا يملك سلطة سوى الورق والقانون.
فليس كل من يكتب شكوى صاحب «كرنفال»، وليس كل من يطالب بحقه متكسبًا من النزاعات الإدارية.
هناك طالب يريد استكمال إجراءاته، وباحث يريد تسجيل بحثه، وموظف يريد رفع ظلم عنه، وأستاذ يريد الاعتراض على قرار يراه مجحفًا.
فهل يصبح هؤلاء جميعًا «متكسّبين» لمجرد أنهم كتبوا؟
بل ربما يكون السؤال الأجدر بالطرح:
هل كثرة الشكاوى هي المشكلة، أم أن استمرار المشكلات دون حسم هو الذي ينتج كثرة الشكاوى؟
فالشكوى التي تجد إجابة عادلة تنتهي.
أما الشكوى التي تدور بين المكاتب واللجان دون حسم، فمن الطبيعي أن تتبعها شكوى أخرى، ثم أخرى.
المشكلة إذن ليست في القلم الذي يكتب.
المشكلة في الباب الذي لا يُفتح.
«اللي مالوش ضهر».. عبارة لا يجوز المرور عليها عابرًا
أما عبارة «اللي مالوش ضهر ينضرب على بطنه»، فهي ليست مجرد مثل شعبي عابر حين ترد في سياق تجربة أستاذ أكاديمي مثل حضرتك ياضيف أفندى داخل مؤسسة تعليمية من المفترض انها موقرة .
فهي، كما استخدمها صاحب المقال اللى هو حضرتك ، تعكس شعورًا بأن الوصول إلى الحق قد يصبح أكثر مشقة عندما يغيب السند أو النفوذ.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحًا:
إذا كان غياب «الظهر» قد جعل صاحب المقال يلجأ إلى القضاء حتى يحصل على حقه، فلماذا لا يُمنح أصحاب المظالم الجدد الحق نفسه في استخدام كل وسيلة قانونية ومؤسسية متاحة لهم؟
أم أن «الظهر» أصبح في بعض السياقات اسمًا آخر للقدرة على الوصول إلى مَن يسمع؟
إذا كانت الإجابة أن القانون هو الظهر الحقيقي، فليكن القانون إذن ظهر الجميع.
لا أن يُطلب من الضعيف الصمت، ثم يُلام عندما يكتب.
المفارقة السياسية.. من يحذر من الروايات ثم يستخدمها تفسيرًا؟
ويزداد الأمر التباسًا في الجزء الذي يتناول فيه المقال ما يسميه الاحتقان السياسي داخل الأكاديمية، ويتحدث عن روايات من نوع«هذا إخواني وذاك فاسد».
فهنا أيضًا ينبغي التمييز بين الواقعة المثبتة وبين الرواية المتداولة.
إذا كان المقال يحذر من الشائعات والاتهامات غير المثبتة، فالأصل ألا تتحول الانتماءات السياسية المزعومة إلى مفتاح جاهز لتفسير دوافع أصحاب الشكاوى والانتقادات.
السؤال المؤسسي الصحيح ليس:
من صاحب الشكوى؟ وما خلفيته السياسية؟
بل:
ماذا يقول؟ وما الذي يثبته؟
هل الواقعة حدثت أم لم تحدث؟ على سبيل المثال لا الحصر واقعة العميد الخطأ وليد شوشة فى مساندة الوزير الإخوانى علاء عبد العزيز ومحاولته الإعتداء على الدكتور سامح مهران لصالح الوزير الإخوانى (عميد مرتزقة بكل معنى الكلمة) .
هل المستند صحيح أم غير صحيح؟
هل الإجراء تم وفق القانون أم لا؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحكم أي تحقيق أو مراجعة.
أما تصنيف صاحب الشكوى قبل النظر في شكواه، فهو نقل للنقاش من مضمون الادعاء إلى شخص صاحبه.
وهذا لا يخدم العدالة، بل يشتت عنها.
التشويه الحقيقي ليس هو النقد
إن حماية أكاديمية الفنون وصون سمعتها لا يتحققان بإخراس الأصوات المطالبة بحقوقها، ولا بوضع كل شكوى في خانة التشهير.
التشويه الحقيقي لأي مؤسسة أكاديمية لا يبدأ عندما ينتقدها أحد.
بل يبدأ عندما تصبح المؤسسة عاجزة عن معالجة أسباب النقد.
فإذا وُجد خطأ، فتصحيحه يحمي المؤسسة.
وإذا وُجدت مخالفة، فمحاسبة المسؤول عنها تحمي المؤسسة.
أما أن يتحول مجرد تقديم الشكوى إلى قرينة ضد صاحبها، فهذه هي المشكلة.
_المؤسسة القوية لا تخاف من الورقة
لا تحتاج أكاديمية الفنون إلى حماية صورتها بمنع النقد، وإنما تحتاج إلى حماية صورتها بالعدل.
فالجامعة أو الأكاديمية التي تملك آليات فعالة لسماع الشكاوى والتحقيق فيها لا تخشى الأوراق، ولا تخشى الصحافة، ولا تخشى النقد.
بل إن أفضل رد على أي نقد ليس اتهام صاحبه بالتشهير، وإنما حل المشكلة التي يتحدث عنها.
_وحين يكون الكاتب نفسه منوطًا بالتحقيق.. يصبح السؤال أكثر إلحاحًا
وتزداد المفارقة حساسية حين نضع ما كتبه صاحب المقال في سياقه الوظيفي؛ فهو أستاذ بالمعهد، ومن بين من تُناط بهم أعمال التحقيق مع الطلاب والدارسين. وهنا لا يعود الأمر مجرد رأي شخصي منشور في صحيفة، بل يصبح من حق كل طالب أو باحث يخضع للتحقيق أن يتساءل عن حدود الحياد والموضوعية لدى من يتولى النظر في شكواه أو في الوقائع المتعلقة به.
فحين يصف المقال أصحاب الشكاوى والمنتقدين بأنهم قد ينخرطون في «كرنفالات إدارية»، ويتحدث عن «بلاغة كتابة المذكرات والشكاوى»، ويربط بعض الانتقادات بخصومات سياسية، فإن السؤال الطبيعي يصبح: كيف يمكن لمن يحمل هذه الرؤية المسبقة تجاه ظاهرة الشكوى والنقد أن يضمن للطالب الذي يقف أمامه في تحقيقٍ ما أن يُنظر إلى أقواله باعتبارها وقائع تحتاج إلى فحص، لا باعتبارها جزءًا من «كرنفال إداري»؟ هل ستتوفر الحيادية خلال التحقيقات بالطبع يظهر من كلامك الإنحايز التام وبالتالى
(اناشد رئيسة الأكاديمية الدكتورة نبيلة حسن ومعالى وزير الثقافة بإستبعادك من أى تحقيق حالى أو قادم وان يتم وضعك جنب الحيطة زى اى لقمة مرمية فى الشارع).
لا نتحدث هنا عن إدانة مسبقة لأحد، ولا نزعم أن رأيًا منشورًا يثبت وحده انحيازًا في تحقيق بعينه؛ لكن الحياد لا يقتصر على النتيجة، وإنما يشمل أيضًا الصورة التي يظهر بها المحقق أمام من يخضع لإجراءاته. ومن ثم فإن من حق الطالب أن يطمئن إلى أن من يستمع إليه يزن الوقائع والمستندات والشهادات، بعيدًا عن أي تصنيف مسبق لصاحب الشكوى باعتباره «مشتكيًا متكسبًا» أو «مشوّهًا للمؤسسة».
فالتحقيق العادل لا يحتاج إلى محقق يدافع عن صورة المؤسسة، وإنما إلى محقق يبحث عن الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة في النهاية ليست فى صالح المؤسسة نفسها.
_وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يفرض نفسه على المقال كله:
حين كان صاحب المقال «بلا ضهر»، ولجأ إلى القضاء حتى حصل على حقه.. هل كان ذلك كرنفالًا إداريًا؟
إذا لم يكن كذلك، فلماذا يصبح لجوء الآخرين إلى الشكاوى والمذكرات والطرق القانونية كرنفالًا؟
أم أن للمحقق وكاتب المقال حساباتٍ أو مآربَ شخصية جعلته يلجأ إلى الهجوم المبطن على المؤسسة، ثم يطلب من الآخرين ألا يفعلوا الشيء نفسه؟ سؤالٌ مشروع تتركه السطور مفتوحًا أمام القارئ..
إن القانون لا ينبغي أن يكون امتيازًا لمن استطاع أن يصل إلى المحكمة، ولا الشكوى تهمة لمن لم يجد «ظهرًا» سوى ورقة ومستند وقلم.
فالعدالة لا تتجزأ، وحق الإنسان في أن يطالب بحقه لا يفقد مشروعيته لأن صوته أصبح مزعجًا.
ومن يريد حماية المؤسسة حقًا، فليحارب أسباب الشكوى.. لا أصحابها.







