ثقافة

الرواية العربية… من الواقعية إلى الفانتازيا

مشغل الصوت

لم تعد الرواية العربية أسيرة الواقع وحده.

فبعد عقود طويلة من تصوير المدن والبيوت والعلاقات الاجتماعية والسياسية، اتجه عدد من الروائيين إلى مساحات أكثر اتساعًا. ودخلت الأسطورة والحلم والغرابة والخوارق إلى بنية الحكاية.

ومع ذلك، لا يعني هذا التحول أن الرواية ابتعدت عن الواقع.

على العكس، أصبح الخيال في كثير من الأعمال وسيلة أخرى لقراءته.

عندما كانت الرواية مرآة للمجتمع

ارتبطت الرواية العربية الحديثة، في جانب كبير منها، بالواقعية.

في هذا السياق، كان الروائي يراقب المجتمع من الداخل. ورصد الفقر والطبقات الاجتماعية والتحولات السياسية والعلاقات الأسرية. ثم حوّل هذه التفاصيل إلى شخصيات وأحداث وحكايات.

وبرز هذا الاتجاه بوضوح في أعمال نجيب محفوظ، الذي جعل القاهرة وشوارعها وأحياءها وشخصياتها مادة أساسية لعالمه الروائي.

ولم يكن الواقع مجرد خلفية للأحداث.

بل أصبح هو البطل في كثير من الأحيان.

ومع تطور الرواية، لم تعد الواقعية تعني نقل الحياة كما هي. وبدأ الكتاب يستخدمونها لفهم ما وراء الأحداث أيضًا. ومن هنا ظهرت أسئلة تتعلق بالهوية والسلطة والذاكرة والخوف والتغير الاجتماعي.

وهكذا بدأت الحدود بين الواقع والخيال تصبح أقل وضوحًا.

الفانتازيا ليست جديدة على الأدب العربي

قد يبدو استخدام الفانتازيا في الرواية العربية ظاهرة حديثة، لكنه في الحقيقة يستند إلى تراث طويل.

فالحكايات العربية القديمة مليئة بالعجائب والكائنات الخارقة والرحلات إلى عوالم مجهولة.

وتظلألف ليلة وليلةمن أبرز الأمثلة على هذا الحضور المبكر للخيال.

وعلى سبيل المثال، وجدت عناصر الجني والسحر والتحولات والرحلات المستحيلة والمدن الغامضة طريقها إلى المخيلة العربية قبل ظهور الرواية الحديثة بوقت طويل.

لذلك لم تبدأ الفانتازيا العربية من الصفر.

بل أعادت الرواية الحديثة اكتشاف بعض هذه العناصر، ثم وضعتها داخل أسئلة جديدة.

من الواقعية إلى الواقعية السحرية

مع تطور الرواية في القرن العشرين، ظهرت أشكال سردية لا تفصل الواقع عن الخيال بشكل كامل.

وفي هذا السياق، برزت الواقعية السحرية.

في هذا النوع من السرد، يمكن أن يحدث أمر خارق داخل عالم واقعي، من دون أن يتعامل معه السرد باعتباره حدثًا يحتاج إلى تفسير كامل.

وتشير دراسات نقدية إلى أن الأدب العربي يمتلك نماذج مبكرة ومهمة لهذا التداخل بين الواقعي والعجائبي، سواء في أعمال نجيب محفوظ أو إدوار الخراط وغيرهما.

وبذلك أصبح السؤال مختلفًا.

لم يعد الكاتب مضطرًا إلى الاختيار بين الواقع والخيال.

بل أصبح قادرًا على الجمع بينهما داخل الرواية نفسها.

الفانتازيا بوصفها لغة للنقد

في الرواية المعاصرة، لا تأتي الفانتازيا دائمًا من أجل التشويق.

ففي بعض الأعمال تصبح وسيلة للنقد.

على سبيل المثال، قد يتحول الشبح إلى رمز للذاكرة.

وقد يصبح الوحش صورة للعنف.

كذلك يمكن أن تمثل المدينة الخيالية مجتمعًا حقيقيًا.

ومن ناحية أخرى، يسمح الحدث المستحيل للكاتب بالحديث عن موضوع يصعب تناوله بصورة مباشرة.

لهذا ارتبطت الفانتازيا في بعض الأعمال بالأزمات الاجتماعية والسياسية والجمالية. ويعد هذا المحور من الموضوعات الأساسية التي تناقشها ألكسندرا شريتح في كتابها الجديد عن الفانتازيا العربية الحديثة.

«فرانكشتاين في بغداد»… الواقع الذي احتاج إلى وحش

تقدم رواية«فرانكشتاين في بغداد»لأحمد سعداوي مثالًا واضحًا على هذا الاتجاه.

تدور الرواية في بغداد بعد الغزو الأميركي، حيث يجمع هادي العتاك بقايا أجساد ضحايا الانفجارات ليصنع منها جسدًا جديدًا.

ثم يتحول هذا الجسد إلى كائن غامض يبدأ رحلة من الانتقام.

الحدث فانتازي بوضوح.

لكن جذوره واقعية وقاسية.

فالجسد المصنوع من أشلاء الضحايا يصبح صورة لمدينة ممزقة بالعنف. وفي المقابل، يتحول الكائن الخيالي إلى وسيلة لطرح أسئلة عن المسؤولية والانتقام والعدالة.

ولهذا لم تكن الفانتازيا في الرواية هروبًا من بغداد.

بل كانت طريقة أخرى لرؤية بغداد.

وقد حازت الرواية الجائزة العالمية للرواية العربية عام 2014، كما وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر الدولية.

نجيب محفوظ بين الواقع والعجائبي

حتى نجيب محفوظ، الذي ارتبط اسمه بقوة بالواقعية، لم يبق داخل حدودها طوال مسيرته.

ففي«ليالي ألف ليلة»مثلًا، استعاد عالم الحكايات الشعبية، وأدخل الجن والسحر والعجائب إلى السرد.

ومن أشهر الأمثلة حكاية «معروف الإسكافي»، التي يدخل فيها عنصر خارق إلى حياة شخصية تعيش ظروفًا اجتماعية قاسية.

هنا لا يلغي الخيال الواقع.

بل يعيد صياغته.

وتلك نقطة مهمة لفهم تطور الرواية العربية. فالانتقال من الواقعية إلى الفانتازيا لم يكن انتقالًا مفاجئًا من عالم إلى آخر، بل كان في كثير من الأحيان توسعًا في أدوات الكاتب.

كتاب جديد يعيد قراءة الفانتازيا العربية

في يوليو 2026 صدر كتابThe Modern Arabic Fantasticللباحثة ألكسندرا شريتح عن Edinburgh University Press.

ويقع الكتاب في 328 صفحة. كما يقدم ما تصفه الناشرة بأنه أول دراسة في كتاب واحد ترسم تاريخًا ونظرية للفانتازيا العربية الحديثة باللغة الإنجليزية.

وتتناول شريتح أعمالًا عربية من أجيال مختلفة.

ومن بينها «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، و«عالمي المجهول» لأليفة رفعت، و«فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي، إلى جانب أعمال أخرى.

وفي المقابل، لا تنظر الدراسة إلى الفانتازيا باعتبارها نوعًا هامشيًا.

بل تتعامل معها باعتبارها جزءًا مهمًا من تاريخ الأدب العربي الحديث.

لماذا يزداد حضور الفانتازيا؟

هناك أكثر من سبب لهذا الحضور.

أولًا، أصبح الواقع نفسه أكثر تعقيدًا.

فالحروب والهجرة والتحولات السياسية والأزمات الاقتصادية وتغير مفهوم الهوية، كلها خلقت واقعًا يصعب أحيانًا التعبير عنه بالسرد التقليدي.

ثانيًا، ترتبط الظاهرة برغبة الروائي في التجريب.

فالرواية الحديثة لم تعد ملزمة بزمن خطي أو راوٍ واحد أو أحداث يمكن تفسيرها بالكامل.

أما السبب الثالث، فيرتبط بالرمز.

فالخيال يسمح للكاتب بأن يقول شيئًا من دون أن يطرحه بصورة مباشرة.

وبهذه الطريقة، يمكنه أن يصنع عالمًا متخيلًا، ثم يترك القارئ يكتشف علاقته بالعالم الحقيقي.

بين الحلم والواقع

الفانتازيا الجيدة لا تقوم على كثرة العجائب.

فوجود الجن أو الأشباح أو الكائنات الغريبة لا يجعل الرواية عميقة تلقائيًا.

وتظهر القيمة الحقيقية عندما يكون للعنصر الخارق وظيفة داخل الحكاية.

فهل يكشف خوفًا؟

أم يمثل صراعًا؟

أم يعيد تفسير التاريخ؟

أم يطرح سؤالًا عن الإنسان؟

إذا كانت الإجابة نعم، يصبح الخيال جزءًا من المعنى وليس مجرد زينة.

وهنا تكمن أهمية الفانتازيا الحديثة.

فهي لا تطلب من القارئ أن يصدق المستحيل فقط.

بل تدفعه إلى الشك في الممكن نفسه.

هل أصبحت الفانتازيا واقعية جديدة؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم.

فالواقع الذي نعيشه اليوم يحتوي على أحداث تبدو أحيانًا أقرب إلى الخيال من الواقع.

فالتكنولوجيا تغير شكل العلاقات.

كما يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف بعض المهن.

وفي الوقت نفسه، تتغير المدن بسرعة، ويعيش الإنسان بين عالم مادي وآخر رقمي.

في مثل هذا السياق، قد لا تكون الفانتازيا ابتعادًا عن الواقع.

بل قد تكون استجابة له.

ولهذا ترى شريتح أن الفانتازي يمكن أن يصبح «واقعية جديدة» في زمننا. وتطرح دراستها الفانتازيا باعتبارها مساحة للشك والتأويل، لا مجرد أدب للغرابة.

الرواية العربية تفتح أبوابًا جديدة

رحلة الرواية العربية من الواقعية إلى الفانتازيا ليست قصة استبدال نوع أدبي بآخر.

فالواقعية لم تختفِ.

وفي المقابل، لم تنتصر الفانتازيا عليها.

ما حدث هو أن الرواية وسعت حدودها.

وأصبحت قادرة على الجمع بين الشارع والأسطورة، وبين التاريخ والحلم، وبين الواقع والخارق.

ويؤكد هذا التطور أن الرواية العربية لا تزال تبحث عن أدوات جديدة لفهم الإنسان العربي.

فحين يعجز الواقع عن شرح نفسه، قد يتدخل الخيال.

وحين يبدو المستحيل قريبًا من الحياة، تصبح الفانتازيا أداة لفهم الحقيقة.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال: هل الرواية واقعية أم فانتازية؟

بل ربما يكون السؤال الأهم:ماذا تكشف الرواية لنا عن الواقع الذي نعيشه؟

أفلام من فلسطين ولبنان تُعزِّز حضور السينما العربية في «فينيسيا»

مهرجان فينيسيا 2026 ينطلق.. جورج كلوني في الواجهة وفيلم داني بويل يفتتح المنافسة

بورتريه رامبرانت يعود إلى غوتا بعد 80 عامًا.. لوحة واحدة تعيد فتح ملف ملكية مثير للجدل

رواية من الماضي تكشف أزمات الحاضر.. كيف تنبأت «أوليفر تويست» بعالمنا المعاصر؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »