
مشغل الصوت
بعد أكثر من قرن ونصف على رسمها، عادتلوحة«العبيد المطاردون»للفنان البريطاني ريتشارد أندسل إلى دائرة الضوء.
لم يكن السبب موضوعها التاريخي الصادم فقط. فقد كشفت تقنيات التصوير بالأشعة تحت الحمراء عن تفاصيل وتعديلات أخفاها الطلاء النهائي عن العين المجردة.
أنجز أندسل اللوحة عام 1861. وتصور زوجين من العبيد الفارين من الأسر، وهما يواجهان كلابًا شرسة في منطقة مستنقعات.
وبدت اللوحة لسنوات عملًا مكتملًا. لكن الفحوص والترميمات الحديثة كشفت مرحلة فنية أكثر تعقيدًا.
ظهرت رسومات أولية وتعديلات أجراها الفنان أثناء تنفيذ العمل.
لوحة عن الهروب.. والخوف والحرية
تعود قصة اللوحة إلى عام 1861. كانت الولايات المتحدة آنذاك تدخل واحدة من أكثر مراحل تاريخها اضطرابًا.
اندلعت الحرب الأهلية الأميركية في ذلك العام. وأصبح ملف العبودية في قلب الصراع السياسي والاجتماعي.
يظهر في مركز العمل رجل وامرأة هاربان من الاستعباد. ويجريان وسط بيئة برية ومستنقعات.
تلاحقهما مجموعة من الكلاب المدربة على الصيد. ويقف الرجل في مواجهة الحيوانات، محاولًا الدفاع عن المرأة بفأس.
أما المرأة فتبدو في حالة خوف شديدة.
ولم يكن المشهد مجرد اختيار درامي من الفنان. ارتبطت اللوحة في سياقها الأدبي بقصيدة«The Slave in the Dismal Swamp»للشاعر الأميركي هنري وادزورث لونغفيلو.
تناولت القصيدة هروب المستعبدين إلى منطقة المستنقعات. كما عُرضت اللوحة في بريطانيا خلال العام نفسه الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية الأميركية.
لهذا أصبحت اللوحة أكثر من مجرد مشهد مطاردة.
حملت أيضًا موقفًا واضحًا ضد العبودية. وجاء ذلك في وقت احتلت فيه القضية مساحة متزايدة من النقاش العام على جانبي المحيط الأطلسي.
ماذا أخفت طبقات الطلاء؟
جاءت المفاجأة أثناء عمليات الفحص الحديثة للعمل.
استخدم المختصون كاميرا تعمل بالأشعة تحت الحمراء. وتمكنوا من رؤية أجزاء من الرسم الأولي والتغييرات التي أجراها أندسل خلال مراحل العمل.
هذه التفاصيل لا تظهر عند النظر إلى الطبقة السطحية للوحة.
وتكشف التقنية ما يمكن وصفه بأنه«تاريخ اللوحة داخل اللوحة».
والمقصود هو الآثار التي تركها الفنان أثناء انتقاله من الفكرة الأولى إلى الصورة النهائية.
فالرسام لا يبدأ عادةً بالنسخة التي يراها الجمهور. يبدأ بالرسم والتجريب وإعادة تحديد الأشكال.
وقد يغير مواقع بعض العناصر أو يعيد بناء التكوين. ثم يغطي هذه العلامات بطبقات لاحقة من الألوان.
مع مرور الزمن، تختفي هذه القرارات تقريبًا عن العين. لكنها قد تظل موجودة تحت السطح.
وتستطيع تقنيات التصوير العلمي الحديثة إظهار هذه الآثار من جديد.
التكنولوجيا ترى ما لا تراه العين
تكمن أهمية الأشعة تحت الحمراء في طريقة تعاملها مع اللوحة.
فبعض المواد والأصباغ تسمح للأشعة باختراق الطبقات السطحية بدرجات مختلفة. ويمكن لذلك أن يكشف خطوط الرسم التحضيري والتعديلات الموجودة أسفل الطبقات المرئية.
وبالنسبة إلى مؤرخي الفن والمرممين، لا تمثل هذه المعلومات مجرد فضول بصري.
إنها تساعدهم على فهمكيف فكر الفنان أثناء بناء العمل.
إذا ظهر عنصر في الرسم التحضيري ثم اختفى في النسخة النهائية، فقد يكون ذلك دليلًا على تغيير الفنان لرأيه.
وقد تكشف التغييرات في وضع الأشخاص أو الحيوانات تطور التكوين قبل الوصول إلى صورته الحالية.
لهذا أصبحت تقنيات مثل الأشعة تحت الحمراء والأشعة السينية أدوات مهمة في دراسة الأعمال الفنية القديمة.
لوحة ولدت في زمن العبودية والحرب
لم يكن اختيار أندسل لهذا الموضوع منفصلًا عن الظروف السياسية والاجتماعية المحيطة به.
كان الفنان البريطاني معروفًا برسوم الحيوانات والمشاهد المرتبطة بالصيد والحياة الريفية.
وتظهر خبرته في رسم الكلاب بصورة واضحة داخل اللوحة.
لكن أندسل وضع هذه المهارة هنا داخل قصة إنسانية شديدة القسوة.
إنسان يحاول النجاة من نظام الاستعباد. وفي المقابل، تتحول الكلاب إلى أدوات لمطاردته وإعادته إلى الأسر.
وتصف جامعة ليفربول العمل بأنه من أشهر لوحات أندسل.
كما تشير إلى أن الفنان رسمه باعتباره موقفًا مناهضًا للعبودية، بالتزامن مع بداية الحرب الأهلية الأميركية.
من المستنقع إلى متحف العبودية
لم تبقَ اللوحة مجرد عمل فني في معرض بريطاني.
في عام 1861، تبرع أندسل باللوحة للجنة إغاثة مرتبطة بأزمة القطن.
جاء ذلك وسط التأثيرات الاقتصادية للحرب الأهلية الأميركية على صناعة النسيج البريطانية.
وكانت مناطق لانكشاير تعتمد بدرجة كبيرة على القطن الأميركي.
بيعت اللوحة مقابل700 جنيه إسترلينيفي ذلك الوقت. ثم وصلت في النهاية إلى مجموعة مدينة ليفربول.
وترتبط اللوحة اليوم بمجموعات متاحف ليفربول. كما تُعرض في سياق تاريخ العبودية وتجارة الرقيق.
ويضيف هذا المسار طبقة أخرى إلى تاريخ العمل.
فاللوحة تصور أشخاصًا يهربون بحثًا عن الحرية. ثم أصبحت لاحقًا جزءًا من الذاكرة العامة التي توثق تاريخ العبودية.
تفاصيل صغيرة تحمل معنى كبيرًا
عند النظر إلى اللوحة اليوم، قد ينشغل المشاهد بالكلاب الهائجة.
وقد يلفت الرجل الذي يرفع فأسه الانتباه أيضًا. كما تبدو المرأة في محاولة مستمرة للاحتماء.
لكن التفاصيل الصغيرة تكشف جانبًا آخر من القصة.
المشهد لا يعرض مطاردة عادية في البرية. بل يضع المشاهد أمام صراع بينالحرية والأسر.
الطبيعة يمكن أن تكون ملاذًا للفارين. لكنها تتحول في الوقت نفسه إلى مكان للخطر.
فالاختباء في المستنقعات يمنح الهاربين فرصة للابتعاد عن مطارديهم. لكنه لا يوفر لهم الأمان.
حتى الحيوانات تؤدي دورًا رمزيًا.
فهي ليست مجرد عناصر طبيعية في المشهد. وإنما تمثل القوة المستخدمة لملاحقة الهاربين وإجبارهم على العودة.
وتشير مصادر متحفية إلى وجود تفاصيل أخرى في مشاهد مرتبطة بالعمل. ومن بينها القيود وآثار الأسر.
وتعزز هذه العناصر القراءة التي ترى اللوحة باعتبارها إدانة بصرية لنظام العبودية.
لماذا تهم الاكتشافات الجديدة؟
قد يبدو الكشف عن رسم أولي أو تعديل فني أمرًا صغيرًا مقارنة بموضوع اللوحة.
لكن الأمر مهم للغاية بالنسبة إلى الباحثين.
فاللوحة لم تعد مجرد صورة ثابتة من عام 1861. أصبحت أيضًا وثيقة تكشف عملية صناعة الصورة نفسها.
ويمكن لكل خط ظهر تحت الطلاء أن يقدم معلومة عن طريقة عمل أندسل.
وقد يكشف أيضًا عن العناصر التي فكر في وضعها أو تغييرها.
وربما يساعد ذلك في فهم الطريقة التي أراد بها الفنان توجيه عين المشاهد داخل المشهد.
هنا تتغير طبيعة علاقتنا بالعمل الفني.
نحن لا نرى فقط ما أراد الفنان عرضه في النهاية. بل نستطيع أحيانًا أن نلمحما فكر فيه قبل اتخاذ قراره النهائي.
أكثر من ترميم
تكشف قصة «العبيد المطاردون» أيضًا عن تحول كبير في عالم المتاحف.
فالترميم الحديث لم يعد يعني تنظيف اللوحة فقط. ولا يقتصر على إصلاح الأجزاء التالفة وإعادتها إلى شكل قريب من حالتها الأصلية.
أصبح الترميم مصحوبًا بالبحث العلمي والتحليل التقني.
وتستخدم المؤسسات كذلك التصوير متعدد الأطياف لدراسة العمل دون إزالة طبقاته.
وهكذا تستطيع تقنية حديثة أن تعيد فتح سؤال قديم:
ماذا كان الفنان يرى في ذهنه قبل أن يراه الجمهور على القماش؟
في حالة أندسل، بقيت الإجابة مخفية تحت الألوان لأكثر من 160 عامًا.
ثم جاءت الكاميرا الحديثة لتمنح الباحثين نافذة على المراحل التي سبقت الصورة المعروفة اليوم.
لوحة واحدة.. وتاريخ كامل
ربما تكمن قوة «العبيد المطاردون» في أنها تجمع أكثر من قصة في الوقت نفسه.
إنها قصة فنان بريطاني رسم مأساة مرتبطة بالعبودية الأميركية.
وهي أيضًا قصة رجل وامرأة يحاولان الهرب.
وتحمل كذلك قصة بريطانيا التي تأثرت اقتصاديًا بالحرب الأهلية الأميركية.
كما أنها قصة عمل فني ظل يحتفظ بآثار قرارات صاحبه لأكثر من قرن ونصف.
والآن أضافت التكنولوجيا فصلًا جديدًا إلى هذه القصة.
فما لم ترصده العين عام 1861، استطاعت أدوات العلم أن تراه بعد أكثر من 160 عامًا.
وهذا أحد أكثر الجوانب إثارة في دراسة الفن القديم.
فاللوحة قد تبدو صامتة ومكتملة. لكنها تستطيع أن تحتفظ تحت سطحها بآثار قرارات اتخذها الفنان أثناء العمل.
ومع استمرار الباحثين في استخدام التقنيات العلمية لفحص الأعمال التاريخية، قد تكتشف لوحات أخرى أسرارًا مماثلة.
وربما ظلت تلك التفاصيل مخفية طوال أجيال.
في النهاية، لا تكشف الأشعة تحت الحمراء أسرار اللوحة فقط.
بل تكشف أيضًا أن الأعمال الفنية القديمة ليست صورًا جامدة من الماضي.
إنهاسجلات متعددة الطبقات لقرارات بشرية وتاريخ اجتماعي وثقافي.
وكلما تطورت أدواتنا، أصبحت قدرتنا أكبر على إعادة اكتشاف هذه الطبقات.
رواية من الماضي تكشف أزمات الحاضر.. كيف تنبأت «أوليفر تويست» بعالمنا المعاصر؟
مكسيم غوركي ورفاقه.. ذكريات تكشف وجوه الأدباء الروس خلف الشهرة
شيفرة أطلنطس المفقودة.. هل دمر بركان سانتوريني حضارة المينويين؟
قصر الحلابات.. حكاية حصن روماني تحول إلى تحفة أموية في صحراء الأردن







