تكنولوجيا

ابتكار «تيتانيوم عائم» لتطوير المنشآت البحرية.. مادة خفيفة تواصل الطفو حتى بعد تعرضها للتلف

مشغل الصوت

في ابتكار قد يفتح بابًا جديدًا أمامهندسة المنشآت البحرية،نجح باحثون في أستراليا في تطوير مادة من التيتانيوم مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد يمكنهاالطفو على الماء مع الحفاظ على قدرتها على التحمل حتى بعد تعرضها لأضرار كبيرة.

ويعتمد الابتكار، الذي طوره مهندسون في جامعة RMIT، على تصميم شبكي بالغ الخفة مصنوع من التيتانيوم، مع ملء الأجزاء الداخلية المجوفة من الهيكل برغوة من مادة البولي يوريثان. والنتيجة هي بنية تجمع بين خفة الوزن والصلابة والطفو ومقاومة الظروف البحرية.

لماذا يُعد «التيتانيوم العائم» فكرة غير تقليدية؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن جعل معدن مثل التيتانيوم يطفو أمر مستحيل، لكن المشكلة التي واجهها الباحثون ليست في التيتانيوم وحده، وإنما فيكيفية تصميم هيكله الداخلي.

فالهياكل الشبكية المعدنية يمكن أن تكون خفيفة للغاية، لكن الفراغات المفتوحة بينها تسمح للمياه بالدخول إلى داخلها، ما يؤدي في النهاية إلى فقدان قدرتها على الطفو.

ولحل هذه المشكلة، استخدم فريق RMIT شبكة ثلاثية الأبعاد من دعامات التيتانيوم المجوفة والمترابطة، ثم ملأ القنوات الداخلية لهذه الدعامات برغوة البولي يوريثان، مع إبقاء الهيكل الخارجي مفتوحًا أمام مرور المياه.

وبهذه الطريقة، تستطيع المياه المرور عبر الفراغات الخارجية، بينما تساعد الرغوة الموجودة داخل الدعامات على منع المياه من إغراق القنوات الداخلية التي توفر جزءًا مهمًا من الطفو.

70% أقوى من مواد بحرية تقليدية عند الكثافة نفسها

وأظهرت الاختبارات أن الهيكل المصنوع من التيتانيوم كانأقوى بنحو 70%من الفولاذ المقاوم للصدأ أو البولي إيثيلين عالي الكثافة المستخدمين في تطبيقات بحرية، عند المقارنة بين المواد عند الكثافة الإجمالية نفسها.

وهذه النقطة مهمة لأن تصميم المنشآت البحرية لا يعتمد على القوة وحدها، وإنما على العلاقة بين القوة والوزن والقدرة على تحمل البيئة المحيطة.

ويتيح التصميم الشبكي للباحثين تقليل كمية المادة المستخدمة مع الحفاظ على بنية قادرة على تحمل الأحمال، وهو ما يجعل الطباعة ثلاثية الأبعاد عنصرًا أساسيًا في إنتاج هذا النوع من الهياكل المعقدة.

مقاومة للمياه المالحة

لم يتوقف الاختبار عند قياس القوة والطفو، إذ عرّض الباحثون الهيكل لمياه بحر طبيعية مأخوذة من خليج بورت فيليب في ملبورن.

وبعد أسبوعين من الغمر، فقد الهيكل نحو0.15% فقط من كتلته، بينما تراجعت قوته بنسبة أقل من 1%، وفق النتائج التي أعلنتها الجامعة.

لكن الباحثين يشيرون إلى أن هذه النتائج ما تزال مرتبطة باختبارات قصيرة المدى، ولذلك لا يمكن اعتبارها دليلًا نهائيًا على الأداء لعشرات السنين في البحر. فالمرحلة التالية تتطلب اختبارات أطول وفي ظروف بحرية أكثر قسوة، بما في ذلك البيئات العميقة.

الميزة الأهم.. الهيكل لا يغرق بسهولة بعد تعرضه للتلف

ربما تكون أبرز خصائص الابتكار هي قدرته علىالحفاظ على الطفو حتى بعد حدوث أضرار هيكلية كبيرة.

وخلال التجارب، ظل الهيكل طافيًا بعد تعرضه لتشققات وفشل في بعض نقاط الاتصال وحتى بعد انكسار طبقة كاملة من الشبكة.

ولم يبدأ بالغرق إلا بعد تعرضه إلى سحق شديد أدى إلى انضغاط الهيكل بصورة كبيرة.

ويرتبط ذلك بطريقة توزيع الرغوة داخل الدعامات المجوفة؛ إذ تحتوي الرغوة على خلايا صغيرة مغلقة تساعد على حبس الغاز، وبالتالي تحد من دخول المياه إلى الأجزاء الداخلية من الهيكل عند حدوث تشققات أو كسور.

وهذه الخاصية يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة في المنشآت البحرية، حيث يمثل حدوث الضرر نتيجة الأمواج أو الاصطدامات أو الظروف الجوية تحديًا مستمرًا.

اختبار عملي باستخدام عوامة بحرية

ولإثبات إمكانية استخدام الفكرة خارج المختبر، صنع الفريق نموذجًا أوليًا لعوامة بحرية باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد.

وأظهرت التجربة أن العوامة ظلت مستقرة داخل خزان مياه مالحة مضطربة حتى مع إمالة الخزان بزاوية وصلت إلى45 درجة.

واللافت أن النموذج لم يكن بحاجة إلى غلاف محكم الإغلاق أو طبقة حماية إضافية أو وسائل طفو أخرى للحفاظ على استقراره أثناء الاختبار.

«الكثافة الهيكلية».. مفتاح فهم كيفية طفو التصميم

إلى جانب تطوير المادة نفسها، قدم الباحثون مفهومًا جديدًا أطلقوا عليه اسم«الكثافة الهيكلية» (Skeletal Density).

الفكرة تقوم على أن حساب كثافة هيكل شبكي مفتوح بالطريقة التقليدية قد يكون مضللًا؛ لأن المساحات الفارغة داخل الشبكة يمكن أن تمتلئ بالمياه، وبالتالي لا تساهم هذه الفراغات فعليًا في جعل الهيكل يطفو.

لذلك ركز الباحثون على الأجزاء التي تمنع المياه من احتلالها، مثل جدران التيتانيوم والقنوات المملوءة بالرغوة.

ووفق هذا الإطار، يمكن للمهندسين التنبؤ بقدرة الهيكل على الطفو بناءً على كثافته الهيكلية مقارنة بكثافة السائل المحيط به.

من العوامات إلى المنشآت البحرية

لا تعني نتائج التجارب أن «التيتانيوم العائم» أصبح جاهزًا غدًا لبناء الموانئ والمنشآت البحرية العملاقة، لكن الباحثين يرون أنه قد يوفر في المستقبل خيارًا جديدًا لعدد من التطبيقات.

ومن بين الاستخدامات المحتملة:

  • العوامات البحرية.
  • أجهزة الاستشعار العائمة.
  • بعض مكونات الأرصفة والمنشآت البحرية.
  • الهياكل خفيفة الوزن المستخدمة في البيئات البحرية.
  • تطبيقات تحتاج إلى مقاومة عالية مع تقليل الوزن.

كما أن التصميم نفسه قد لا يقتصر على الطفو؛ إذ يرى الباحثون أن تغيير المادة الموجودة داخل الهيكل الشبكي يمكن أن يسمح بتطوير هياكل مخصصة لامتصاص الصدمات أو الإدارة الحرارية أو التحكم في الاهتزازات.

لماذا تهم الطباعة ثلاثية الأبعاد في هذا الابتكار؟

يصعب إنتاج مثل هذه الهياكل المعقدة باستخدام طرق التصنيع التقليدية، بينما تسمح الطباعة ثلاثية الأبعاد ببناء شبكة هندسية دقيقة وفق تصميم رقمي.

واستخدم الباحثون سبائك التيتانيوم وتقنيات تصنيع إضافي تعتمد على دمج مسحوق المعدن بالليزر طبقة بعد أخرى، وهي التقنية التي تتيح إنتاج أشكال داخلية معقدة لا يكون تصنيعها بالطرق التقليدية سهلًا.

وهنا تظهر أهمية الجمع بينعلم المواد والتصميم الهندسي والطباعة ثلاثية الأبعاد؛ فالابتكار ليس مجرد اكتشاف مادة جديدة، وإنما إعادة تصميم الطريقة التي يمكن أن تُستخدم بها مادة معروفة مثل التيتانيوم.

لا يزال الطريق طويلًا قبل الاستخدام التجاري

ورغم النتائج اللافتة، فإن الباحثين أنفسهم يؤكدون أن العمل ما زال في مرحلة التطوير.

فالاختبارات الحالية أثبتت الطفو ومقاومة الضرر والأداء الأولي في مياه البحر، لكن استخدام المادة على نطاق واسع في المنشآت البحرية يتطلب اختبارات طويلة المدى تحت ظروف حقيقية، إضافة إلى دراسة تكاليف التصنيع والتوسع في الإنتاج.

وتتمثل الخطوة التالية التي أعلن عنها الفريق فيتكبير النماذج واختبار أدائها على المدى الطويل في ظروف بحرية وبيئات أعماق البحار.

من معدن ثقيل إلى هيكل يطفو

ما يجعل هذا الابتكار مثيرًا للاهتمام ليس مجرد نجاح قطعة من التيتانيوم في الطفو، وإنما الطريقة التي تغير بها مفهوم تصميم الهيكل نفسه.

فبدلًا من محاولة جعل المعدن أخف عبر تقليل مادته فقط، استخدم الباحثون هندسة شبكية دقيقة تجمع بين الفراغات والمواد الصلبة والرغوة، لتقديم خصائص يصعب الحصول عليها من المادة التقليدية وحدها.

وقد تكون هذه الفكرة جزءًا من اتجاه أوسع في هندسة المستقبل، حيث لا يصبح السؤال فقط:«ما المادة التي نستخدمها؟»، وإنما أيضًا:«كيف نصمم المادة من الداخل؟»

وفي حالة «التيتانيوم العائم»، يمكن أن يؤدي هذا التفكير إلى هياكل بحرية أخف وأكثر مقاومة للتلف، لكن نجاحها تجاريًا سيعتمد في النهاية على قدرتها على إثبات أدائها في البحر لفترات طويلة وبكلفة تنافسية.

الدراسة العلمية بعنوان“Breaking the Surface: Buoyant Metal–Polymer Open–Cell Hybrid Lattice Metamaterials”نُشرت في مجلةAdvanced Materials، وهي الدراسة التي قدمت أول عرض معلن لمادة شبكية هجينة من معدن وبوليمر قادرة على الطفو بهذا التصميم.

بدل اليدين.. «وسادة فموية» تمنح ذوي الإعاقة طريقة جديدة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية

سترة ذكية تحمي رواد الفضاء من مخاطر الإشعاع الشمسي 

عندما يكتب الذكاء الاصطناعي عن الحيوانات.. لماذا يغلب الذكور على أبطال القصص؟

الفضاء يتحول إلى ساحة حرب.. 5 متطلبات أميركية لكسب معارك المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »