أحدث المقالات

لبنان واللاجئون الفلسطينيون… بين إعلان حقبة قانونية جديدة واختبار التشريع والتنفيذ.

لبنان واللاجئون الفلسطينيون… بين إعلان حقبة قانونية جديدة واختبار التشريع والتنفيذ.

مشغل الصوت

لبنان واللاجئون الفلسطينيون… بين إعلان حقبة قانونية جديدة واختبار التشريع والتنفيذ.

كتب عصام الحلبي

في خطوة وُصفت بأنها تحوّل جذري في مقاربة الدولة اللبنانية لملف اللجوء الفلسطيني، كشفت المديرة التنفيذية للجنة الحوار اللبناني–الفلسطيني ندين الماروق، خلال الاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان في جنيف، عن ملامح إطار قانوني شامل يهدف إلى تنظيم الوجود القانوني للاجئين الفلسطينيين في لبنان، تحت سقف الدستور، مع التشديد على رفض التوطين والتمسك بحق العودة كخيار وطني ثابت. الطرح، الذي قُدِّم بوصفه ثمرة “رؤية لبنانية موحدة”، أعاد فتح ملف ظل لعقود محكوماً بالمقاربة الأمنية والقرارات المؤقتة، لينتقل – نظرياً – إلى فضاء الحقوق والتنظيم القانوني. غير أن هذا الإعلان، على أهميته، يطرح سؤالاً مركزياً،هل نحن أمام انتقال فعلي نحو حقوق قابلة للتنفيذ، أم أمام إعادة صياغة سياسية لأزمة قديمة؟
من الناحية الدستورية البحتة، لا يتمتع ما طُرح في جنيف بأي قوة إلزامية داخل النظام القانوني اللبناني. فالإطار المعلن لم يُحال إلى مجلس النواب، ولم يُصَغ على شكل مشروع قانون، ولم يُرفق بمراسيم تطبيقية أو آليات تنفيذية، وبذلك، يبقى في خانة الإعلان السياسي–الإداري لا القاعدة القانونية. في لبنان، لا تُنشأ الحقوق ولا تُرفع القيود إلا بنصوص تشريعية صريحة يقرّها البرلمان وتُلزم الإدارة وتُخضعها لرقابة القضاء، وما دون ذلك يبقى عرضة للتجميد أو التراجع عند أول تبدّل سياسي.
في صلب الإطار المقترح، يبرز إدخال مفهوم الهوية الرقمية عبر بطاقة تعريفية ممغنطة وموحدة للاجئين الفلسطينيين، يُفترض أن تدمجهم ضمن البنية الإدارية للدولة كفئة قانونية محددة، من دون إنشاء نظام هوية مستقل. نظرياً، تمثّل الخطوة انتقالاً من الفوضى الإدارية إلى التنظيم المؤسساتي، وتسهّل حياة اللاجئين ومعاملاتهم اليومية. لكن قانونياً، تظل هذه البطاقة بلا قيمة حقوقية حقيقية إذا لم تستند إلى قانون يحدد طبيعتها، والحقوق التي تترتب عليها، والضمانات التي تحول دون استخدامها كأداة ضبط أمني أو إداري. فالوثيقة، في غياب النص التشريعي، لا تمنح حقاً مكتسباً يمكن الدفاع عنه أمام القضاء، بل تبقى إجراءً إدارياً قابلاً للتعليق أو الإلغاء.
أما في ما يتعلق بحق العمل، فيقترح المشروع معالجة أحد أكثر الملفات حساسية عبر السماح بالعمل في مختلف مهن القطاع الخاص، بما فيها المهن النقابية، وإعفاء الفلسطينيين من رسوم إجازات العمل، وإلغاء شرط “المعاملة بالمثل”، وتوسيع الاستفادة من الضمان الاجتماعي والتغطية الصحية. غير أن التجربة اللبنانية تُظهر أن المشكلة لم تكن يوماً في النصوص وحدها، بل في غياب المراسيم التطبيقية، وتعطيل القوانين بفعل النقابات، وترك التنفيذ لاجتهاد الإدارات. وهنا، يصبح السؤال الحقوقي مشروعاً،ما قيمة أي نص لا يفرض على الدولة واجب التنفيذ ولا يتيح للاجئ الطعن عند الامتناع؟
وفي ملف التملك والسكن، يطرح الإطار تعديل قانون تملك الفلسطينيين الصادر عام 2001 عبر السماح بتملك وحدة سكنية واحدة بشروط صارمة. هذا البند، الذي يحاول التوفيق بين حق السكن الكريم والهاجس اللبناني من التوطين وضبط الملكية بضمانات قانونية، يُعد الأكثر حساسية، وهو مرشح لأن يتحول إلى ساحة اشتباك سياسي وإعلامي. وقد يُستخدم لإعادة إنتاج خطاب التخويف، ما لم يُدرج ضمن قانون واضح يربط التملك بالحقوق الإنسانية لا بالهندسة الديموغرافية.
وفي ما يخص المخيمات، يتحدث الإطار الجديد عن مقاربة مختلفة قائمة على مفاهيم “الأمن الإنساني” والتنمية، مع الإشارة إلى احتواء السلاح وبدء إنشاء أول مبنى خدماتي رسمي في مخيم نهر البارد كنموذج أولي. غير أن هذا المسار يثير بدوره إشكاليات قانونية أساسية، هل التنمية مشروطة بملفات أمنية؟ وهل هناك تصور تشريعي شامل لحوكمة المخيمات؟ أم أننا أمام مشاريع تجريبية معزولة؟ فغياب الإطار القانوني الشامل يحوّل هذه المبادرات إلى استثناءات إدارية لا إلى سياسة عامة مستدامة.
ومن منظور حقوقي صارم، لا يكتسب هذا المشروع أي قيمة فعلية إلا إذا أُحيل إلى البرلمان اللبناني بصيغة قانون متكامل، وأُقر ونُشر في الجريدة الرسمية، وربط بمراسيم تطبيقية واضحة المهل والمسؤوليات، وأتاح للاجئ حق اللجوء إلى القضاء عند الامتناع عن التنفيذ. خارج ذلك، يبقى المشروع أداة لتحسين صورة الدولة دولياً أكثر مما هو مدخل لتصحيح خلل قانوني تاريخي.
ما طُرح في جنيف يعكس بلا شك تطوراً في الخطاب الرسمي اللبناني تجاه اللاجئين الفلسطينيين ومحاولة للانتقال من إدارة الأزمة إلى تنظيمها، لكنه حتى اللحظة لا يشكّل التزاماً قانونياً، ولا ينتج حقوقاً قابلة للمطالبة، ولا يقيّد السلطة التنفيذية. فالتحوّل الحقيقي لا يبدأ في المحافل الدولية، بل في مجلس النواب، وفي الجريدة الرسمية، وفي قدرة اللاجئ على انتزاع حقه بالقانون لا بالاستثناء. وهنا، يبقى السؤال مفتوحاً،هل يشهد لبنان فعلاً ولادة حقبة قانونية جديدة، أم إعادة تدوير أزمة قديمة بلغة حقوقية أكثر نعومة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »