
مشغل الصوت
وفاة تشو رونغ جي عن 97 عامًا
توفي رئيس الوزراء الصيني الأسبقتشو رونغ جي، الأربعاء، عن عمر ناهز 97 عامًا، بعد مسيرة سياسية واقتصادية ارتبطت بواحدة من أكثر مراحل التحول حساسية في تاريخ الصين الحديث. وأفادت التقارير الرسمية الصينية بوفاته في بكين بعد معاناة مع المرض.
ويُنظر إلى تشو باعتباره أحد أبرز مهندسي الإصلاح الاقتصادي الصيني في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، بعدما قاد إجراءات صعبة لإعادة هيكلة الشركات الحكومية، والسيطرة على التضخم، وإصلاح النظام المالي، وفتحالاقتصاد الصينيبصورة أكبر أمام التجارة العالمية.
رجل الإصلاح في مرحلة صعبة
برز اسم تشو رونغ جي في وقت كانت الصين تحاول الانتقال من اقتصاد تهيمن عليه المؤسسات الحكومية إلى نموذج أكثر اعتمادًا على آليات السوق.
وتولى تشو منصب عمدة شنغهاي عام 1987، حيث اكتسب سمعة المسؤول الصارم الذي يركز على الكفاءة والإدارة الاقتصادية.
وبعد انتقاله إلى الحكومة المركزية، أصبح نائبًا لرئيس الوزراء عام 1991، ثم تولى رئاسة مجلس الدولة الصيني بين عامي1998 و2003.
وخلال هذه السنوات، كان الاقتصاد الصيني يمر بتحولات عميقة، فيما كانت القيادة تواجه تحديات تتعلق بالتضخم، وكفاءة الشركات الحكومية، والقطاع المصرفي، والنظام الضريبي.
مواجهة التضخم
كان التضخم من أبرز الملفات التي واجهها تشو خلال صعوده إلى القيادة الاقتصادية.
ففي بداية التسعينيات، واجهت الصين ارتفاعًا حادًا في الأسعار نتيجة تسارع النمو والائتمان والاستثمار.
واتخذ تشو إجراءات مالية وائتمانية صارمة للحد من سخونة الاقتصاد، في خطوة أثارت مقاومة من بعض الجهات التي كانت تخشى تأثير الإصلاحات على النمو وفرص العمل.
لكن هذه السياسات ساعدت في إعادة قدر من الاستقرار إلى الاقتصاد، ورسخت صورة تشو باعتباره مسؤولًا مستعدًا لاتخاذ قرارات غير شعبية لتحقيق أهداف اقتصادية طويلة الأجل.
إصلاح الشركات الحكومية
كان إصلاح الشركات المملوكة للدولة أحد أكثر الملفات حساسية في عهد تشو.
فقد كانت قطاعات واسعة من الاقتصاد الصيني تعتمد على شركات حكومية تعاني من ضعف الكفاءة والخسائر والتضخم الوظيفي.
ودفع تشو باتجاه إغلاق أو إعادة هيكلة عدد كبير من هذه الشركات، وهو ما أدى إلى فقدان ملايين العمال وظائفهم.
وقد ساعدت هذه الخطوة في رفع كفاءة قطاعات اقتصادية، لكنها حملت في الوقت نفسه تكلفة اجتماعية كبيرة، وكسرت تدريجيًا ما كان يعرف في الصين بضمان الوظيفة مدى الحياة أو «الوعاء الحديدي».
إصلاح النظام المالي
لم تتوقف إصلاحات تشو عند الشركات الحكومية.
فقد عمل على تعزيز الرقابة المالية وتوسيع دور الحكومة المركزية في إدارة الإيرادات والقطاع المصرفي.
وكان الهدف الحد من الفوضى المالية التي يمكن أن تنتج عن توسع الحكومات المحلية في الاقتراض والإنفاق، إلى جانب تقوية قدرة الدولة على إدارة الاقتصاد على المستوى الوطني.
وأصبح تشو معروفًا بأسلوبه المباشر والصريح في التعامل مع المسؤولين ومديري المؤسسات، وهي شخصية ساعدته على دفع إصلاحات واجهت مقاومة داخل النظام نفسه.
إصلاح ملكية المساكن
من الملفات التي ارتبطت بعهد تشو أيضًا إصلاح نظام الإسكان.
فخلال هذه المرحلة، انتقلت الصين تدريجيًا من نظام يعتمد بدرجة كبيرة على توفير المساكن من خلال جهات العمل الحكومية إلى سوق أكثر ارتباطًا بالملكية الفردية.
وساعدت هذه التحولات في إطلاق سوق عقارية واسعة، أصبحت لاحقًا أحد أهم محركات الاقتصاد الصيني.
لكن المفارقة أن القطاع العقاري الذي استفاد من إصلاحات تلك المرحلة تحول بعد سنوات إلى أحد أبرز مصادر المخاطر الاقتصادية في الصين.
وهذا يوضح أن الإصلاح الاقتصادي قد يخلق نتائج بعيدة المدى لا يمكن تقييمها بالكامل وقت اتخاذ القرار.
الطريق إلىمنظمة التجارة العالمية
ربما كان أبرز إنجازات تشو على الساحة الدولية هو الدور الذي لعبه في مفاوضات انضمام الصين إلىمنظمة التجارة العالمية.
وخاضت بكين مفاوضات طويلة للحصول على شروط الانضمام، فيما كان هناك داخل الصين من يخشى أن تؤدي التنازلات المطلوبة إلى إضعاف الشركات المحلية أمام المنافسة الأجنبية.
لكن تشو دافع عن الانفتاح التجاري، ورأى أن اندماج الصين في الاقتصاد العالمي يمكن أن يدفع الشركات الصينية إلى رفع قدرتها التنافسية.
وانضمت الصين رسميًا إلى منظمة التجارة العالمية عام2001، لتبدأ مرحلة جديدة من توسع تجارتها وصادراتها واندماجها في سلاسل الإنتاج العالمية.
مهندس بلا سلطة مطلقة
رغم ارتباط اسمه بالإصلاحات، لم يكن تشو يعمل منفردًا.
فالإصلاح الاقتصادي الصيني كان مشروعًا أوسع بدأ قبل توليه منصب رئيس الوزراء، وكان مرتبطًا بالتحولات التي قادها دنغ شياو بينغ منذ أواخر السبعينيات.
لكن أهمية تشو تمثلت فيتنفيذ الإصلاحات الصعبة على أرض الواقع، خصوصًا خلال مرحلة كانت فيها الصين بحاجة إلى تحويل القرارات السياسية إلى إجراءات اقتصادية ملموسة.
ولهذا وصفه مراقبون بأنه أحد أهم الأشخاص الذين حولوا أفكار الإصلاح والانفتاح إلى سياسات عملية خلال تسعينيات القرن الماضي.
شخصية صريحة أثارت الجدل
اشتهر تشو بأسلوبه الصريح والحاد، وهو أمر نادر نسبيًا في الخطاب السياسي الرسمي الصيني.
وبعد تقاعده، أعيد نشر عدد كبير من خطاباته وتصريحاته في مجموعة من أربعة مجلدات، وأثارت اهتمامًا واسعًا بسبب صراحته في الحديث عن الفساد، والديون المحلية، وأخطاء المؤسسات المالية، والفجوة بين الأغنياء والفقراء.
وأظهرت هذه التصريحات أن الرجل لم يكن يرى الإصلاح الاقتصادي مجرد مسألة أرقام ونسب نمو، بل كان يدرك أيضًا المشكلات الاجتماعية والإدارية التي يمكن أن تهدد مسار التنمية.
إصلاحات لها ثمن
لا يمكن النظر إلى إرث تشو باعتباره قصة نجاح خالية من المشكلات.
فإعادة هيكلة الشركات الحكومية أدت إلى تسريح أعداد ضخمة من العمال.
كما ساهمت إصلاحات الإسكان في إطلاق سوق عقارية توسعت بسرعة كبيرة خلال العقود التالية.
وبالإضافة إلى ذلك، واجهت بعض سياسات الإصلاح انتقادات بسبب آثارها على توزيع الدخل والمناطق المختلفة.
ولهذا فإن تقييم تجربة تشو يحتاج إلى النظر إلىالمكاسب الاقتصادية والتكاليف الاجتماعية في الوقت نفسه.
ماذا ترك للصين؟
ترك تشو رونغ جي اقتصادًا أكثر انفتاحًا على العالم، ونظامًا ماليًا أكثر مركزية، وقطاعًا حكوميًا أعيد تنظيمه، وسوق إسكان بدأت تتحول إلى أحد المحركات الرئيسية للنمو.
كما ساهم في تهيئة الصين للمرحلة التي أصبحت فيها التجارة الخارجية والاستثمار والصادرات جزءًا أساسيًا من قوتها الاقتصادية.
وبعد عقود، أصبحت الصين واحدة من أكبر اقتصادات العالم وأكبر قوة صناعية وتجارية، رغم أن هذا التحول لم يكن نتيجة قرارات شخص واحد، بل نتاج عملية إصلاح طويلة شارك فيها عدد كبير من القادة والمؤسسات والعمال والشركات.
إرث ما زال حاضرًا
المفارقة أن بعض المشكلات التي تحدث عنها تشو قبل سنوات طويلة لا تزال حاضرة في الاقتصاد الصيني.
فالديون المحلية، والقطاع العقاري، والفساد، وعدم المساواة، وكفاءة الشركات الحكومية، كلها قضايا ما زالت تظهر بدرجات مختلفة في النقاش الاقتصادي الصيني.
وهذا يجعل خطابات تشو القديمة موضع اهتمام لدى بعض الإصلاحيين والباحثين، ليس لأنها تقدم حلولًا جاهزة للواقع الحالي، وإنما لأنها تكشف طبيعة التحديات التي واجهتها الصين خلال مرحلة تحول سابقة.
بين الانفتاح وقوة الدولة
لم يكن تشو يدعو إلى التخلي عن النظام السياسي الصيني أو تفكيك دور الدولة.
بل كان إصلاحيًا داخل النظام، وسعى إلى استخدام آليات السوق والانفتاح التجاري لتعزيز الاقتصاد، مع الإبقاء على الدور المركزي للحزب والدولة.
ولهذا تختلف تجربته عن تجارب قادة إصلاحيين في دول أخرى حاولوا الجمع بين الإصلاح الاقتصادي والتحول السياسي.
وقد يكون هذا أحد أسباب أهمية تجربته في فهم النموذج الصيني:اقتصاد أكثر انفتاحًا دون التخلي عن السيطرة السياسية المركزية.
صفحة مهمة فيتاريخ الصين
يمثل رحيل تشو رونغ جي نهاية حياة أحد أبرز المسؤولين الذين شاركوا في تشكيل الصين الاقتصادية الحديثة.
فقد جاء إلى السلطة في وقت كانت فيه البلاد تواجه قرارات صعبة، وغادرها بعد أن أصبحت أكثر اندماجًا في الاقتصاد العالمي.
وبين المرحلتين مرت الصين بإصلاحات مؤلمة، وإغلاق شركات، وتسريح عمال، وتغييرات في النظام المصرفي والضريبي والإسكاني، ثم انضمام إلى منظمة التجارة العالمية.
ولذلك فإن إرث تشو لا يمكن اختزاله في وصفه بـ«مهندس الإصلاح» فقط، بل يجب النظر إليه باعتباره رجلًا اختارالإصلاح السريع والمكلف بدلًا من الحفاظ على نظام اقتصادي لم يعد قادرًا على مواكبة التحول.
الخلاصة
برحيل رئيس الوزراء الصيني الأسبقتشو رونغ جي، تخسر الصين أحد أبرز وجوه مرحلة الإصلاح الاقتصادي التي ساعدت في تحويل البلاد إلى قوة صناعية وتجارية عالمية.
وخلال مسيرته، واجه التضخم، وأعاد هيكلة الشركات الحكومية، وعزز الرقابة المالية، ودفع إصلاحات الإسكان، ولعب دورًا محوريًا في الطريق إلى انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية.
لكن إرثه يحمل وجهين؛ فمن ناحية ساعدت إصلاحاته على رفع الكفاءة وتعزيز اندماج الصين في الاقتصاد العالمي، ومن ناحية أخرى خلفت بعض السياسات تكاليف اجتماعية ومشكلات امتدت آثارها إلى العقود التالية.
ومع ذلك، يبقى تشو رونغ جي واحدًا من أبرز رجال الاقتصاد والسياسة في الصين الحديثة، ورمزًا لمرحلة كانت فيها بكين تخوض واحدة من أكثر عمليات التحول الاقتصادي جرأة في العالم.
منجم السكري في مصر.. حادث نادر يعيد «كنز الذهب» إلى الواجهة
أزمة خطوط المحمول في مصر.. مطالب بتغليظ العقوبات على الشركات والموزعين المخالفين
اقتصادية قناة السويس.. مصر تراهن على سلاسل الإمداد لجذب مزيد من الاستثمارات
رواج «الطيبات» في مصر يثير مخاوف من انتشار علاجات غير معتمدة
غموض يحيط بأنباء استهداف ميناء دمياط.. روايات متضاربة وترقب لنتائج التحقيقات







