
مشغل الصوت
مدينة تحمل أكثر من اسم وقصة
علىالساحل الأطلسي للمغرب، تقف مدينة الجديدة شاهدة على فصل مميز من تاريخ المنطقة.
فداخل المدينة الحديثة توجد آثار مدينة قديمة عُرفت باسممازاغان.
وتحمل هذه المنطقة بصمات واضحة للحضور البرتغالي الذي بدأ في القرن السادس عشر.
ولم تختفِ آثار تلك المرحلة رغم مرور قرون طويلة.
بل تحولت إلى جزء أساسي من هوية الجديدة وتراثها المعماري.
وقد أدرجت اليونسكوالمدينة البرتغالية لمازاغان، الجديدةعلى قائمة التراث العالمي عام 2004، تقديرًا لقيمتها التاريخية والمعمارية.

لماذا اختار البرتغاليون مازاغان؟
ارتبط ظهور مازاغان بالتوسع البرتغالي على الساحل الأطلسي للمغرب خلال عصر الاستكشافات.
وأقيمت المدينة كحصن ساحلي في بداية القرن السادس عشر.
وكان موقعها مهمًا بسبب إشرافها على المحيط الأطلسي وارتباطها بالطرق البحرية التي استخدمها البرتغاليون في رحلاتهم نحو إفريقيا والهند.
وتصف اليونسكو مازاغان بأنها واحدة من أوائل المستوطنات التي أنشأها البرتغاليون في إفريقيا الغربية ضمن طريقهم إلى الهند.
قلعة تتحول إلى مدينة محصنة
لم تكن مازاغان مجرد ميناء أو مستوطنة صغيرة.
فقد تطورت إلى مدينة محصنة ذات أسوار وأبراج دفاعية.
وتشير اليونسكو إلى أن الأخوين فرانسيسكو ودييغو دي أرودا شيدا القلعة الأولى عام 1514.
ثم جرى توسيع التحصينات خلال الفترة بين عامي 1541 و1548.
وأصبحت القلعة ذات تصميم نجمي يعكس تطور العمارة العسكرية في عصر النهضة.
وكان هذا التصميم مرتبطًا بالتغيرات التي شهدتها الحروب بعد انتشار الأسلحة النارية.
لذلك، لم تكن أسوار مازاغان مجرد جدران للحماية.
بل كانت نموذجًا متقدمًا من الهندسة العسكرية في ذلك العصر.
أسوار وأبراج ما زالت حاضرة
تُعد التحصينات من أبرز معالم المدينة القديمة.
وتضم المنطقة أسوارًا ضخمة وأبراجًا دفاعية تطل على البحر.
وقد حافظت أجزاء كبيرة من هذا النظام الدفاعي على شكلها الأصلي.
وهذا ما منح المدينة قيمة استثنائية لدى خبراء التراث.
وترى اليونسكو أن شكل القلعة وتخطيطها يمثلان مثالًا بارزًا على المدن البرتغالية المحصنة التي ظهرت خلال عصر النهضة.
الصهريج البرتغالي.. أشهر معالم الجديدة
من أكثر الأماكن إثارة للاهتمام داخل المدينة القديمةالصهريج البرتغالي.
ويتميز هذا البناء بقاعة واسعة تحت الأرض، تعلوها مجموعة من الأقواس والقباب.
وتمنح الإضاءة التي تنفذ إلى المكان أجواء مميزة، خصوصًا مع انعكاس الضوء على المياه.
وتعتبر اليونسكو الصهريج واحدًا من أهم المباني الباقية من الفترة البرتغالية في مازاغان.
وتشير وزارة السياحة المغربية إلى أن المبنى كان يستخدم في الأصل لأغراض أخرى خلال الفترة البرتغالية قبل أن يتحول إلى صهريج، واكتُشف دوره المائي من جديد عام 1916.
صهريج يتحول إلى موقع سينمائي
لم تقتصر شهرة الصهريج على قيمته التاريخية.
فقد جذب أيضًا اهتمام السينمائيين.
وتشير وزارة السياحة المغربية إلى أن بعض الديكورات المستخدمة في فيلمعطيلللمخرج والممثل أورسون ويلز ارتبطت بالمكان.
ومنذ ذلك الوقت، أصبح الموقع واحدًا من الأماكن التي تستقطب الزوار ومحبي السينما والتاريخ.
الكنيسة التي بقيت من العصر البرتغالي
تضم المدينة القديمة أيضًا كنيسةسيدة الانتقال أو كنيسة العذراء، المعروفة بالفرنسية باسم Église de l’Assomption.
وتعد من أبرز المباني الباقية من الفترة البرتغالية.
وتصف اليونسكو طرازها بأنه ينتمي إلىالأسلوب المانويليني، وهو أسلوب معماري برتغالي ظهر في أواخر العصر القوطي وبدايات القرن السادس عشر.
وجود هذا المبنى إلى جانب الأسوار والصهريج يعكس تنوع الوظائف داخل المدينة المحصنة.
نهاية الحكم البرتغالي
استمر الوجود البرتغالي في مازاغان لقرون.
لكن هذه المرحلة انتهت عام 1769.
وفي ذلك العام انتقلت المدينة إلى الحكم المغربي بعد مغادرة البرتغاليين.
وتشير اليونسكو إلى أن القلعة هُجرت بعد رحيل البرتغاليين قبل أن تخضع لإعادة تأهيل في القرن التاسع عشر.
وهنا بدأت مرحلة جديدة في تاريخ المدينة.
من مازاغان إلى الجديدة
بعد إعادة تأهيل المدينة في منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت تعرف باسمالجديدة، أي “الجديدة”.
وتطورت تدريجيًا إلى مركز تجاري ومجتمع متعدد الثقافات.
وتذكر اليونسكو أن المدينة احتضنت سكانًا من المسلمين واليهود والمسيحيين، وهو ما أضاف طبقة جديدة إلى تاريخها.
وهكذا لم تختفِ مازاغان القديمة.
بل اندمجت آثارها داخل مدينة جديدة تحمل اسمًا مختلفًا.
مزيج مغربي وبرتغالي
تكمن أهمية الجديدة في أنها لا تمثل مجرد موقع أثري برتغالي خارج البرتغال.
فالمدينة تقدم نموذجًا لتفاعل ثقافتين مختلفتين.
وتشير اليونسكو إلى أن التأثيرات الأوروبية والمغربية تظهر في العمارة والتقنيات والتخطيط الحضري.
ولهذا اختارت اليونسكو معيارين ثقافيين لإدراج المدينة على قائمة التراث العالمي.
فالمدينة تحكي تاريخ التفاعل بين المغرب وأوروبا، بدل أن تختزل قصتها في مرحلة استعمارية واحدة فقط.
لماذا وضعتها اليونسكو على قائمة التراث العالمي؟
أدرجت اليونسكو المدينة البرتغالية لمازاغان على قائمة التراث العالمي عام 2004.
واستند الإدراج إلى معيارين من معايير التراث الثقافي.
الأول يتعلق بالتبادل الكبير للتأثيرات بين الثقافتين الأوروبية والمغربية.
أما الثاني فيرتبط بكون المدينة المحصنة مثالًا مبكرًا ومهمًا على تطبيق أفكار عصر النهضة في العمارة العسكرية باستخدام تقنيات البناء البرتغالية.
وتبلغ مساحة موقع التراث العالمي المدرج نحو7.5 هكتاروفق بيانات اليونسكو.
الجديدة بين التاريخ والحياة الحديثة
رغم قيمتها التاريخية، فإن الجديدة ليست مدينة متحف.
فالمدينة الحديثة تحيط بالمدينة البرتغالية القديمة.
كما تجمع المنطقة بين التراث والسياحة والشواطئ والحياة اليومية.
ويصف المكتب الوطني المغربي للسياحة الجديدة بأنها مدينة متعددة الثقافات، تجمع بين آثارها البرتغالية القديمة ومظاهر الحياة الحديثة.
وهذا التعايش بين القديم والجديد يمنح المدينة طابعًا خاصًا.
ذاكرة مدينة على المحيط
تروي مازاغان قصة طويلة بدأت بحصن برتغالي على الساحل.
ثم تحولت إلى مدينة محصنة.
وبعد رحيل البرتغاليين، دخلت مرحلة جديدة تحت اسم الجديدة.
ومع مرور الزمن، أصبحت التحصينات والصهريج والكنيسة جزءًا من ذاكرة المدينة.
واليوم، لا تنظر المغرب إلى هذه الآثار باعتبارها بقايا معزولة.
بل باعتبارها جزءًا من التراث الذي يحكي تاريخ المغرب وتفاعله مع الحضارات الأخرى.
الخلاصة
تقدممازاغان والجديدةنموذجًا نادرًا لمدينة تغير اسمها وحكامها، لكنها احتفظت بآثار مراحلها التاريخية.
بدأت القلعة البرتغالية في القرن السادس عشر، وتوسعت تحصيناتها لتصبح واحدة من أبرز نماذج العمارة العسكرية في عصر النهضة.
وبعد مغادرة البرتغاليين عام 1769، دخلت المدينة مرحلة جديدة حملت خلالها اسم الجديدة.
واليوم، تقف الأسوار والصهريج والكنيسة شاهدة على ذلك الماضي.
وفي عام 2004، اعترفت اليونسكو بالقيمة العالمية الاستثنائية للمدينة وأدرجتها على قائمة التراث العالمي.
وهكذا أصبحت الجديدة أكثر من مدينة ساحلية مغربية.
إنها مكان تتقاطع فيه ذاكرة المغرب مع أثر الحضور البرتغالي، وتتحول فيه العمارة إلى وثيقة حية تروي قصة قرون من التاريخ.
مسجد شفِتسينغن في ألمانيا.. تحفة تجمع العمارة الإسلامية بروح عصر التنوير
تخطط للسفر إلى أوروبا هذا الصيف؟ إليك أهم النصائح قبل الانطلاق
معرض الآثار المصرية يواصل جولته العالمية لتعريف الجمهور بالحضارة الفرعونية
كيف تطور مفهوم «السياحة الشاملة» في المنتجعات؟
أين تسافر هذا الربيع في القارة العجوز؟ عواصم أوروبية تتألق بثقافتها وسحره







