
مشغل الصوت
القاهرة- مى النحاس
في بعض السير الذاتية، لا تكون الرحلة مجرد تنقل جغرافي من بلد إلى آخر، بل تتحول إلى مشروع حياة كامل، تتشابك فيه الطموحات الشخصية مع الإنتماء الوطني، وتصبح النجاحات الفردية إنعكاسًا لصورة أوسع لوطنٍ يحمله أبناؤه معهم أينما ذهبوا. ومن هذا النوع من السير تبرز تجربة أحمد سمير سليمان، التي يمكن قراءتها بوصفها قصة نجاح مصرية ملهمة ذات أبعاد إنسانية ووطنية وعربية متداخلة.
بدأت الحكاية من مصر، من شواطئ الإسكندرية تحديدًا، حيث تشكلت ملامح مبكرة لرجل أعمال حمل حلمه في سن صغيرة، مؤمنًا بأن النجاح لا تحده الجغرافيا. وعندما إتجه إلى تونس الخضراء عام 2002، لم تكن رحلته مجرد إنتقال مهني لتأسيس فرع لشركته، بل كانت بداية مسار أكثر إتساعًا وتعقيدًا، جمع بين الاقتصاد والعمل الأهلي والإعلام والرياضة والارتباط العميق بفكرة الدور المصري خارج الحدود.
في تونس، لم يكتفِ أحمد سمير سليمان ببناء نشاطه الإقتصادي فقط، بل إتجه إلى تأسيس مساحات للتقارب بين الشعوب العربية والأفريقية عبر مظلات أهلية ومجتمعية، كان أبرزها جمعيات الأخوّة المصرية العربية الأفريقية العالمية، التي حصلت على إعتماد رسمي في جنيف بسويسرا. ومن بين أولى ثمار هذه المبادرة، جاءت جمعية الأخوّة المصرية التونسية، التي لعبت دورًا لافتًا في توطيد العلاقات بين البلدين على المستويات الفنية والثقافية والرياضية والاجتماعية، من خلال عدد كبير من الأنشطة والفعاليات التي تجاوزت 250 نشاطًا، في مؤشر على مشروع لم يكن رمزيًا أو شكليًا، بل فعّالًا وممتدًا على الأرض.
ثم اتسعت التجربة لتشمل فروعًا أخرى، من بينها جمعية الأخوّة المصرية الفلسطينية في رام الله، وجمعية الأخوّة المصرية الليبية، وغيرها من الفروع التي حملت الفكرة نفسها: ربط الشعوب، وتقليص المسافات النفسية والثقافية بينها، وإبراز دور المواطن العربي القادر على أن يكون جسرًا للتقارب لا مجرد عابر للحدود. ومن هنا، لم يعد توصيف أحمد سمير سليمان كرجل أعمال وحده كافيًا، إذ بدا أقرب إلى “سفير شعبي” إستطاع أن يستخدم أدوات الفن والثقافة والرياضة والعمل الاجتماعي لتجاوز الحواجز التقليدية بين المجتمعات.
ومع تصاعد التحولات السياسية الكبرى في مصر، أخذ هذا المسار بعدًا وطنيًا أكثر وضوحًا. فعندما شعر بأن اللحظة تتطلب مساهمة مباشرة في ربط المصريين بالخارج بوطنهم الأم، أسس حركة شباب مصر بالخارج عام 2013 بهدف الحفاظ على صلة الجيلين الثاني والثالث من أبناء المصريين في المهجر بجذورهم الوطنية والثقافية. وقد تزامن ذلك مع فترة سياسية فارقة في تاريخ الدولة المصرية ثورة 30 يونيو المجيدة ثورة شعب ، شعب مصر العظيم ،وأمين عليها قائد وجيش، الرئيس عبد الفتاح السيسي وجيش مصر المغوار خير أجناد الله في الأرض، ما منح هذه المبادرة بعدًا وطنيًا واضحًا، يتجاوز العمل الأهلي التقليدي إلى محاولة بناء شبكة دعم معنوي ومجتمعي للدولة المصرية في الخارج.
وفي السياق نفسه، أسس لاحقًا حركة شباب مصر بالداخل والخارج لمكافحة الإرهاب، في محاولة لخلق مساحة مشتركة بين الشباب المصري داخل الوطن وخارجه لمواجهة التحديات التي كانت تحيط بالدولة. وهذا المسار يكشف جانبًا مهمًا في شخصية أحمد سمير سليمان، وهو أنه لم ينظر إلى المصريين في الخارج بإعتبارهم مجرد جاليات تعيش بعيدًا عن الوطن، بل إعتبرهم طاقة وطنية ممتدة يمكن إستثمارها في الدعم والتأثير وبناء الصورة.
وعلى المستوى السياسي الحزبي، تولى عام 2014 منصب نائب رئيس حزب الغد للعلاقات الخارجية وشؤون المصريين بالخارج، وهو موقع بدا منسجمًا مع تجربته السابقة في بناء شبكات تواصل ممتدة مع المصريين والعرب خارج مصر. لكنه، في الوقت نفسه، لم يحصر حضوره في المجال السياسي، بل واصل التنقل بين مساحات تأثير متعددة، وهو ما جعل تجربته تبدو مركبة ومتنوعة.
أما في الإعلام، فقد خاض رحلة متميزة مع الشاشة الصغيرة إمتدت نحو خمسة عشر عامًا، وقدم خلالها برنامج “سهرة المشاهير” على قناة “تونسنا” التونسية، وهو برنامج حقق حضورًا عربيًا واسعًا، ونال عددًا من التكريمات. كما قدم سلسلة من البرامج الإذاعية، من بينها “أسماء الله الحسنى مع أحمد سمير” و”قصص الأنبياء مع أحمد سمير ” و”لمة عربية” و”تاريخ من ذهب” على إذاعة راديو 6 تونس . وتمثل هذه التجربة الإعلامية محطة لافتة، لا لأنها ناجحة فقط، بل لأنها تعكس قدرة نادرة على الإندماج المهني والثقافي داخل مجتمع عربي آخر، إلى حد أن يصبح أول إعلامي غير تونسي يقدم برامج على قنوات وإذاعات تونسية، وهو إنجاز يحمل دلالة تتجاوز المجال الإعلامي نفسه إلى فكرة القبول والتأثير والكفاءة العابرة للجنسيات.
وبالتوازي مع ذلك، واصل حضوره في عالم الأعمال، خاصة في مجالي الاتصالات والسياحة، حيث حمل لقب “الفرعون الصغير”، وهو الإسم الذي استوحاه لأول شركة أسسها في تونس عام 2003، في إشارة رمزية إلى حضارة بلده التي ظلت حاضرة في وجدانه وهويته المهنية. ثم أسس عام 2017 شركة “عروس النيل”، كأول شركة سياحية متخصصة بين تونس ومصر فقط، في خطوة تكشف كيف يمكن توظيف الخبرة الإقتصادية أيضًا في خدمة صورة مصر ودعم السياحة إليها، لا بإعتبارها نشاطًا تجاريًا فحسب، بل بوصفها أحد وجوه القوة الناعمة.
وفي العام نفسه 2017 ، إتخذ مشروعه المرتبط بالمصريين في الخارج شكلًا مؤسسيًا أكثر رسوخًا، عندما تحولت حركة شباب مصر بالخارج إلى إتحاد شباب مصر بالخارج، بعد تسجيله رسميًا في مصر عبر وزارة التضامن الاجتماعي ثم وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج. وقد حقق الإتحاد انتشارًا لافتًا بين المصريين في الخارج، وعمل عبر فعاليات وأنشطة متعددة في عواصم عالمية مختلفة على ترسيخ فكرة محورية مفادها أن أبناء مصر في الخارج ليسوا هامشًا بعيدًا عن الدولة، بل جزء أصيل من نسيجها الوطني، بمختلف إنتماءاتهم الدينية والإجتماعية.
لكن ربما كانت المحطة الأكثر فرادة في هذه المسيرة هي تلك المرتبطة بالرياضة. فبدلًا من إدارة كيان رياضي قائم بالفعل، خاض أحمد سمير سليمان تحديًا أكثر صعوبة: إدخال رياضة جديدة إلى مصر من الأساس، وهي رياضة الميني فوتبول ( كرة القدم المصغرة ) وهنا تتجلى بوضوح عقلية البناء من الصفر، وهي من أصعب القدرات القيادية والإدارية. فقد عمل على نشر اللعبة في المحافظات المصرية المختلفة، ووضعها على الخريطة الدولية في وقت قياسي، حتى أصبح الأب الروحي المؤسس ورئيس الاتحاد المصري للميني فوتبول، ثم رئيساً للإتحاد العربي للميني فوتبول، وصولًا إلى منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي IMF.
منصات الإنجاز: ريادة رياضية وأبعاد استراتيجية
ولم تكن تلك المسؤوليات والمناصب مجرد أدوار تشريفية، بل تُرجمت عملياً إلى نجاحات ملموسة ومحطات صعود متتالية؛ تجلت أبرزها في قيادة منظومة اللعبة لتتويج مصر بكأس الأمم الإفريقية، تلاها إحراز لقب بطولة العرب. ولم تقف الطموحات عند النطاق الإقليمي، بل امتدت لتسجيل إنجاز تاريخي غير مسبوق تمثل في حصد منتخب مصر للسيدات لـ “الميني فوتبول” بطولة كأس العالم 2025، التي احتضنتها مدينة أربيل بإقليم كردستان العراق، عقب التغلب على نظيره البرازيلي في مواجهة ختامية مثيرة. ويحمل هذا الفوز قيمة استثنائية بعيدة المدى، كونه يضع الرياضة المصرية في صدارة المشهد العالمي ضمن الألعاب الجماعية، ويسجل محطة غير مسبوقة في تاريخ الرياضة النسائية والوطنية.
وفي إطار السعي المستمر لتعزيز الممارسة الميدانية بالعمق المعرفي والأكاديمي، شكل الالتحاق بالأكاديمية العسكرية المصرية للدراسات العليا والاستراتيجية نقطة تحول بارزة أضفت بعداً علمياً رصيناً على هذه المسيرة الحافلة. حيث كُللت هذه الخطوة بنيل درجة الماجستير في العلوم السياسية والاستراتيجية عام 2025، عن دراسة بحثية متخصصة تناولت “دور المصريين في الخارج في دعم الاقتصاد المصري كجزء أصيل من النسيج الوطني”. ولا تنفصل هذه المحطة الأكاديمية عن السياق العام للمسيرة، بل جاءت بمثابة بلورة علمية لرؤية راسخة جرى تطبيقها على أرض الواقع، ومفادها أن المواطن المغترب يمثل ركيزة فاعلة وعنصراً حيوياً في معادلة التنمية والبناء الوطني.
وبقراءة تحليلية لشواهد هذه السيرة، يبرز نموذج لشخصية مصرية نجحت في صياغة تجربتها عبر مسارات حيوية متعددة تشابكت فيها قطاعات المال والأعمال، والعمل الأهلي والتطوعي، والإعلام، والسياسة، والرياضة، وصولاً إلى الدراسات الاستراتيجية. وما يمنح هذه المسيرة أبعادها الملهمة ليس تنوع محطاتها الفنية فحسب، بل ذلك القاسم المشترك الذي يربط بينها جميعاً: الإيمان الراسخ بأن قيم الانتماء لا تحدها المسافات، وأن الوجود في الخارج يمكن تحويله إلى امتداد حيوي يعزز روابط الاتصال والجهد المشترك لصالح الوطن.
إن تجربة أحمد سمير سليمان تطرح نموذجًا مختلفًا للمصري في الخارج.. نموذجًا لا يكتفي بتحقيق ذاته، بل يحاول أن يجعل من نجاحه منصة لربط الناس، ودعم الدولة، وفتح مجالات جديدة للتأثير. ولهذا تبدو قصته، في جوهرها، أكثر من مجرد سيرة نجاح فردية؛ إنها شهادة على قدرة الإنسان المصري على حمل وطنه معه، والعمل له، وإعادة تقديمه بصورة مشرقة في كل ساحة يصل إليها.
ختاما.. أحمد سمير سليمان، أو “الفرعون الصغير” كما لُقّبت شركته الأولى، هو تجسيد للمصري “السفير بالفطرة”. هو قصة نجاح تخبرنا أن الإخلاص للوطن، والرؤية الواضحة، والإيمان بالشباب، هي الأدوات الحقيقية لصناعة التاريخ. إنها مسيرة بدأت من البحر، وما زالت أمواج نجاحها تضرب شواطئ العالم، معلنةً أن مصر ولادة دائماً بالعقول التي لا تعرف المستحيل.







