تكنولوجيا

عندما يدخل الذكاء الاصطناعي في جسم الإنسان

مشغل الصوت

لم يعد الذكاء الاصطناعيموجودًا فقط داخل الهواتف والحواسيب.

ففي الطب، بدأت خوارزميات الذكاء الاصطناعي تعمل إلى جانب أجهزة توضع داخل جسم الإنسان أو تتصل مباشرة بالجهاز العصبي.

ولا يعني ذلك وجود«روبوت ذكي»يتحرك داخل الجسم.

في الواقع، الصورة أكثر دقة من ذلك.

فهناك أجهزة مزروعة تلتقط إشارات عصبية أو تقيس تغيرات في الجسم، ثم تستخدم خوارزميات متقدمة لتحليل هذه الإشارات واتخاذ قرار أو إرسال أمر علاجي.

وتتحول هذهالتكنولوجيابسرعة من تجارب مختبرية إلى تطبيقات سريرية محدودة.

من قراءة الأعصاب إلى الكلام

أحد أكثر المجالات إثارة هوواجهات الدماغ والحاسوب.

تلتقط هذه الأنظمة النشاط الكهربائي من الدماغ، ثم تستخدم خوارزميات التعلم الآلي لتحويل الأنماط العصبية إلى أوامر مفهومة للأجهزة.

وفي يوليو 2026، نشرتمجلة «Nature Medicine»دراسة أظهرت استخدام واجهة دماغية مزروعة لفترات طويلة في المنزل لدى شخص مصاب بالشلل، بهدف التحكم في مؤشر الحاسوب وتحويل محاولات الكلام إلى نص.

واستخدم نظام فك الإشارات شبكة عصبية لمعالجة النشاط الدماغي بصورة متواصلة، مع إعادة ضبط النظام للتعامل مع التغيرات في الإشارات العصبية بمرور الوقت.

وفي سبتمبر 2026، أظهر فريق ممول من المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة نظامًا يستطيع في الوقت نفسه تفسير إشارات مرتبطة بالكلام وحركات الجزء العلوي من الجسم لدى أشخاص مصابين بالشلل.

واستخدم الباحثون التعلم الآلي لتحويل الإشارات العصبية إلى تعبيرات رقمية، بما في ذلك الكلام والإيماءات.

وهنا تظهر فائدة الذكاء الاصطناعي بوضوح.

فالدماغ لا يرسل «كلمات» جاهزة إلى الجهاز.

بل ينتج نشاطًا عصبيًا معقدًا، وتتعلم الخوارزمية الأنماط المرتبطة بمحاولة الكلام أو الحركة، ثم تحولها إلى أوامر.

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة أفكار الإنسان؟

هذه النقطة تحتاج إلى توضيح.

التقنيات الحالية لا تعني أن جهازًا يستطيع قراءة كل ما يدور في رأس الإنسان كما في أفلام الخيال العلمي.

الأنظمة الحالية تستهدف مهام محددة، مثل محاولة تحريك مؤشر أو التعبير عن كلمة أو تنفيذ حركة معينة.

وتعتمد دقة النظام على تدريب الخوارزمية وعلى الإشارات التي يستطيع الجهاز تسجيلها.

لذلك، الحديث عن «قراءة العقل» بصورة مطلقة يبالغ في قدرات التكنولوجيا الحالية.

الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بالقراءة

التطور الأكثر أهمية قد يكون في الاتجاه المعاكس.

بدلًا من أن يقرأ الجهاز ما يحدث داخل الجسم فقط، يمكنه أنيتخذ قرارًا علاجيًا استنادًا إلى تلك الإشارات.

ويظهر ذلك بوضوح في الجيل الجديد من التحفيز العميق للدماغ المستخدم في علاج مرض باركنسون.

فالتحفيز التقليدي قد يعمل بإعدادات ثابتة، بينما تستطيع الأنظمة التكيفية تعديل التحفيز وفقًا للحالة العصبية أو النشاط الذي يقوم به المريض.

وفي يونيو 2026، أظهرت دراسات منشورة في «Nature Medicine» إمكانية استخدام التحفيز العميق التكيفي لتعديل التحفيز وفقًا للمشي والنشاط الحركي في الوقت الفعلي.

وفي إحدى الدراسات العشوائية الصغيرة، شملت التجربة خمسة مرضى، ارتبط النظام التكيفي بانخفاض في السقوط مقارنة بالتحفيز المستمر.

كما وصفت «Nature Reviews Neurology» التحفيز العميق التكيفي بأنه انتقل إلى مرحلة الاستخدام السريري، مع استمرار وجود تحديات تتعلق بالتطبيق طويل الأمد واختيار المعايير المناسبة لكل مريض.

الصينتدفع واجهات الدماغ خطوة أخرى

ولا تقتصر المنافسة على الولايات المتحدة وأوروبا.

فقد أشارت «Nature» في مايو 2026 إلى تسارع تطوير واجهات الدماغ والحاسوب المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الصين.

وتعمل شركات ومجموعات بحثية هناك على أنظمة تهدف إلى مساعدة المصابين بالشلل على الحركة والتواصل والتحكم في الأجهزة.

وهذا الاتجاه يكشف تحولًا مهمًا.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج منفصل عن جسم الإنسان، بل أصبح جزءًا من منظومة تجمع بين الأعصاب والإلكترونيات والبرمجيات والأجهزة الطبية.

ماذا عن الأدوية الذكية؟

المجال لا يتوقف عند الدماغ.

ففي مارس 2026، نشرت «Nature» مراجعة واسعة حول ما وصفته بأجهزة صغيرة وذكية لإيصال الأدوية داخل الجسم.

وتجمع هذه الأنظمة بين المستشعرات والإلكترونيات والمواد الحيوية والذكاء الاصطناعي بهدف مراقبة الظروف داخل الجسم والتحكم بصورة أكثر دقة في توقيت الدواء وكميته ومكان إطلاقه.

ولا تزال كثير من هذه التقنيات في مراحل البحث والتطوير، لكنها تفتح الباب أمام أنظمة علاجية أكثر استجابة للتغيرات الفسيولوجية.

ليس كل الذكاء الاصطناعي الطبي مزروعًا

من المهم أيضًا عدم الخلط بين المصطلحات.

فالولايات المتحدة لديها بالفعل أكثر من1600 جهاز طبي مدعوم بالذكاء الاصطناعيحصل على تصريح للتسويق حتى سبتمبر 2026، بحسب إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

لكن معظم هذه الأجهزة ليست شرائح مزروعة داخل الجسم.

وتشمل القائمة تقنيات لتحليل الصور الطبية، واكتشاف الأمراض، وتحسين التشخيص، إضافة إلى خوارزميات يمكنها أتمتة بعض وظائف التحكم في جرعات الإنسولين اعتمادًا على قراءات أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز.

إذن، دخول الذكاء الاصطناعي إلى جسم الإنسان يحدث عبر أشكال متعددة، وليس عبر جهاز واحد.

المشكلة الجديدة: من يملك بيانات الدماغ؟

مع كل هذا التقدم تظهر قضية لم تكن موجودة بهذا الحجم من قبل.

وهيالبيانات العصبية.

فالواجهات الدماغية المزروعة تستطيع تسجيل معلومات أكثر حساسية من كثير من البيانات الصحية التقليدية.

وفي يوليو 2026، حذرت مراجعة منشورة في «Communications Medicine» من أن البيانات الناتجة عن واجهات الدماغ المزروعة قد تحمل معلومات غنية عن النشاط العصبي، بينما لا تزال أطر حماية هذه البيانات غير كافية في بعض الحالات.

وهناك أسئلة أخرى أيضًا.

ماذا يحدث إذا تغيرت الخوارزمية؟

ومن يتحمل المسؤولية إذا اتخذ الجهاز قرارًا علاجيًا غير صحيح؟

وكيف يضمن المريض أن بياناته العصبية لن تستخدم خارج الغرض الطبي الذي وافق عليه؟

لهذا السبب، نشرت «Nature Neuroscience» في سبتمبر 2026 دراسة مخصصة للجوانب الأخلاقية للواجهات الدماغية المزروعة، ودعت إلى الاهتمام بالحماية طويلة المدى للمرضى والمشاركين في التجارب، وعدم فصل الطموح التقني عن الضرورة الطبية.

هل نحن أمام «إنسان معزز»؟

ربما تكون هذه هي الفكرة الأكثر إثارة للخيال.

لكن الطب الحالي يسير في اتجاه مختلف.

الهدف الأساسي لهذه الأنظمة ليس منح الإنسان قدرات خارقة، وإنمااستعادة وظائف فقدهاأو جعل العلاج أكثر دقة.

قد تساعد واجهة عصبية شخصًا مصابًا بالشلل على التواصل.

وقد يجعل نظام تكيفي علاجًا عصبيًا أكثر توافقًا مع حالة المريض.

وقد تسمح أجهزة دوائية ذكية بإطلاق العلاج في الوقت المناسب وفقًا لاحتياجات الجسم.

وهذا يعني أن السؤال لم يعد:

هل يستطيع الذكاء الاصطناعي دخول جسم الإنسان؟

بل أصبح:

إلى أي مدى يمكن للآلة أن تتصل بالجسم، وتفهم إشاراته، وتتصرف بناءً عليها، من دون أن تفقد السيطرة البشرية على القرار؟

هل تفوّق الذكاء الاصطناعي على التغير المناخي في تهديد البشرية بالفناء؟

ابتكار «تيتانيوم عائم» لتطوير المنشآت البحرية.. مادة خفيفة تواصل الطفو حتى بعد تعرضها للتلف

بدل اليدين.. «وسادة فموية» تمنح ذوي الإعاقة طريقة جديدة للتحكم بالأجهزة الإلكترونية

«سبايس إكس» تراهن بـ100 مليار دولار على لويزيانا لبناء أكبر ميناء فضائي في العالم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »