الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الاستاذ محمد صلاح ونظرة بانورامية لكل من القي السمع وهو شهيد .

كتب مايلي

العالم اليوم يتحدث عن محور فيلادلفيا والمواجهة المحتملة بين مصر والكيان ، اصحاب اغرب وأعقد عملية سلام في التاريخ، سلام استمر بالأمر المباشر من واشنطن التي ترى ان الشرق الأوسط كله يجني ثمار هذا السلام وليس مصر والكيان فقط، ربما لهذا السبب فقط يرتبط الصراع المحتمل في فيلادلفيا بباقي الصراعات في الشرق الأوسط ، وكأن هذا الصراع نهر رئيسي وباقي الصراعات روافد ثانوية تابعة له،

ما يجعل الصراع وجودي هذه المرة هو طبيعة الصراع ، نحن لا نتحدث عن حدود او خلافات مادية يمكن التفاوض بشأنها، المواجهة اليوم حياة مقابل حياة ، وجود مقابل وجود ، مباراة واحدة ستحدد الفائز بلقب البطولة مائة عام قادمة على الاقل، وستنعكس نتائجها على كل صور وأبعاد الحياة في الشرق الأوسط، هذه هي الحقيقة المجردة، العدوان على غـ. ـزة بعد مائة يوم اثبت انه ضد الحياة هناك وليس ضد حمـ. ـاس!

العوامل التي تؤدي إلى حتمية الصدام كثيرة ربما اولها وأهمها عدم ممانعة واشنطن او لنقل تقبلها لفكرة سيطرة الكيان على محور فيلادلفيا، ولا تصدق هنا التصريحات الصحفية التي تستهدف الادارة الأمر- يكية فيها غسيل السمعة وإثبات الإلتزام بالمحددات الاخلاقية امام شعبها قبل ان يكون امام العالم ، الموقف الحقيقي هو موقف عسكري بالمقام الأول، لا تحدثني أبداً عن خلافات مع طرف ما وانت تدعمه بالسلاح والذخيرة بل وبكل شيء!

العامل الثاني للصدام هو عودة العالم للازدواجية السياسية والثنائية القطبية بعد ما يقرب من ثلاثين عام من الوحدة والعزلة والاستسلام للكاوبوي الأمر- يكي ، وهذه حالة تجتاح العالم كله وليس الشرق الأوسط فقط ، وهي ناتجة عن اسباب اقتصادية واجتماعية وثقافية عديدة فرضت على اصحاب الحضارات المواجهة مع دعاة المؤامرة الكونية والمليار الذهبي وابادة البشر!

العامل الثالث للصدام هو أن كل طرف من الطرفين ينتمي لعالم آخر وكلا العالمين يرغب في حكم الشرق الأوسط ، وذلك ليس حلماً إمبراطورياً قدر ما هو ضرورة للبقاء لكلا الطرفين ، فما تريده مصر والعالم الذي تمثله يقضي على الكيان إكلينيكيًا وان استمر حبراً على ورق ، وما يريده الكيان والعالم الذي يمثله يقضي على مصر تماماً ولو كان ذلك على المدى المتوسط ،

العامل الرابع للصدام هو تجاوز مصر لمرحلة الحرب بالوكالة ومرورها بمعجزة كبرى من مفرمة الربيع العربي الذي كان مجرد اعداد لكي نصل إلى هذه المواجهة منهكين ومقسمين ومستنزفين ومقطعي الأوصال ، ورغم اننا فعلاً خرجنا منهكين اقتصادياً من هذه المفرمة ، إلا اننا مازلنا نمتلك عوامل الوحدة والقوة والتأثير الداخلي والإقليمي والدولي ايضاً ، بل ربما تكون مؤامرة الربيع العربي سبباً في خروج المارد المصري من قمقمه ، وقضت كثيرا على المسافات بين الدولة والشعب ، وأدركا معاً أهمية كل منهما للآخر وهذا امر لا يحدث بسهولة!

العامل الخامس للصدام هو عنصر الوقت ، الكيان يرتبط دائماً بفكرة التوقيت الكوني وحتمية القفز فوق الواقع السياسي كل ٥٠ سنة ، وقد أشار الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من قبل لفكرة الخمسين عام عندما تحدث عن تعليق موشي ديان عن السلام مع مصر وقال ان السلام مع مصر سيجعلها مفتتة ومقسمة ومهترئة بعد خمسين عام من التوقيع!

حكومة الكيان ليست كأي حكومة اخرى في العالم تعمل وفقاً لمقتضيات الحياة لديها ، بل تتلقى أوامر محددة ولا تملك أمامها سوى التنفيذ ، وهذه الأوامر تأتي من اباطرة العالم القديم وبارونات الكوكب ، وللعلم فهي المجموعة التي تعطي نفس الأوامر لمن يحكم واشنطن ، ربما لذلك لا تملك واشنطن القدرة على مخالفة الكيان مهما تجرأ الكيان ومهما تكبر ومهما تبجح ، وما حدث مع بيل كلينتون بعدما حاول (مجرد محاولة) ان تكون اكثر عدلاً في ادارة هذه الصراع يكفي لتهديد كل من جاء بعده من رؤساء!

العامل السادس للصدام هو تنامي القوة الشاملة المصرية في السنوات الأخيرة، والقوة الشاملة هنا تُحسب بالتأثير وإدارة الملفات الداخلية والإقليمية بشكل ناجح، ولا علاقة له باقتصاد الأفراد والأسعار المحلية للسلع والخدمات، بل يمكن القول ان الدول التي تمتلك قوى اقتصادية قوية هي الدول التي يعاني فيها أفرادها اقتصادياً بشكل واضح، التجربة الصينية مثلاً جعلت من الصين عملاقاً اقتصادياً عالمياً، في حين ان الشعب الصيني في غالبيته مجموعة كبيرة من الفقراء ، وهو ذات الأمر الذي يحدث في الغرب وفي الولايات المتحدة الأمر- يكية وفي رو- سيا بعد سقوط الاشتراكية، ولا عجب في ذلك تماماً!

والهدف هنا هو فرملة هذه القوة الصاعدة قبل ان تصل إلى مرحلة استحالة المواجهة ، فسيطرة مصر على موارد الطاقة المتجددة والنظيفة والغذاء الطبيعي وجذب شراكات اقتصادية مميزة مع الصين ورو- سيا وباقي اعضاء بريكس لهو امر ستنعكس نتائجه على العالم اجمع وليس على الاقليم فقط ، وانا اتحدث هنا عن نخب ترى مصر ما بعد نهاية المشروعات القومية الحالية ، والتي تمتلك أكبر أسواق المنطقة، مصر التي تمتلك مختلف شركات اعادة الإعمار والمؤهلة بشريًا وعلميًا للقيام بأدوار اكبر بكثير من تلك التي تقوم بها حالياً 👌

هذه العوامل الست تجعل الصدام بين الطرفين مسألة وقت فقط ، ولن يحدث استقرار إقليمي إلا بناءً على نتائج هذه المواجهة، ولن يتغير شيء في كل ما حولنا من صراعات إلا بناءً على ما ستسفر عنه هذه المواجهة من نتائج،

المستقبل القريب سيحمل لاريب ضغوطًا من كل الأنواع على مصر ، ليس أهمها الإعلامي ولا الاقتصادي ولا النفسي ولا المجتمعي، بل قد تحدث كل هذه الضغوط في وقت واحد ، وظني ان الطرف الاخر لن يبدأ الصدام الخشن إلا بعد أن يتأكد من ان الصدام الناعم قد أتى أكله في الداخل اولاً، وهو ما يعني ان قضية محور فيلادلفيا ستظل مستمرة ربما حتى نهاية العام، استنزاف نفسي واضح لشعب بأكمله بغية ان يخرج احدهم عن النص فيصنع الظرف الذي ينتظره الكيان من اجل البدء في الحرب والمواجهة الخشنة!

لا تتعاملوا مع قضية فيلادلفيا على انها فيلم سينمائي سيستمر ساعتين او ثلاث ساعات ، على العكس ، هذه القضية قد تكون مسلسلاً تركياً قد يستمر عرضه حتى نهاية العام الحالي.

Loading