تكنولوجيا

الكلاميدوموناس.. الكائن الصغير الذي قاد إلى ثورة في علوم المخ والأعصاب

مشغل الصوت

كائن وحيد الخلية لا يمتلك عينًا ولا دماغًا ولا جهازًا عصبيًا. ومع ذلك، يستطيع الإحساس بالضوء وتحديد اتجاهه والتحرك استجابة له.

هذا الكائن الصغير هوالكلاميدوموناس (Chlamydomonas). وقد ساعدت دراسته العلماء في الوصول إلى تقنية غيّرت علوم الأعصاب، وهيالبصريات الوراثية (Optogenetics).

ما هو الكلاميدوموناس؟

الكلاميدوموناس كائن مجهري صغير جدًا. يبلغ قطر الخلية نحو8 إلى 10 ميكرومترات.

يمتلك الكائن سوطين يساعدانه على الحركة في الماء. ورغم بساطة تركيبه، فإنه يستطيع استشعار الضوء والاستجابة له بطريقة دقيقة.

وهنا ظهر سؤال مهم أمام العلماء:

كيف تستطيع خلية واحدة، من دون عين أو دماغ أو جهاز عصبي، أن تعرف مكان الضوء؟

البقعة العينية والبروتينات الحساسة للضوء

كيف يعرف الكلاميدوموناس اتجاه الضوء؟

يمتلك الكلاميدوموناس بنية متخصصة تسمىالبقعة العينية (Eyespot). وتساعد هذه البنية الكائن على استشعار الضوء.

وتوجد بالقرب منها بروتينات حساسة للضوء تعرف باسمChannelrhodopsins.

تعمل هذه البروتينات كقنوات أيونية. فعندما يصل الضوء إليها، تفتح القنوات وتسمح بمرور الأيونات عبر غشاء الخلية.

يؤدي ذلك إلى تغير في النشاط الكهربائي داخل الخلية.

لكن الكلاميدوموناس لا يكتفي بمعرفة وجود الضوء. بل يستطيع أيضًا تحديد اتجاهه.

تساعده البقعة العينية وترتيب القنوات الحساسة للضوء على القيام بذلك. كما يستفيد من دوران الخلية أثناء السباحة.

وبناءً على اتجاه الضوء، يغير الكائن طريقة ضرب سوطيه. وهكذا يستطيع التحرك نحو الضوء أو الابتعاد عنه بحسب الظروف.

وتعرف هذه الظاهرة باسمالانتحاء الضوئي (Phototaxis).

منطحلبصغير إلى علم جديد

هنا بدأت قصة علمية مهمة في تاريخ علم الأعصاب.

لاحظ العلماء أن البروتينات الحساسة للضوء في الكلاميدوموناس تستطيع تحويل الضوء إلى تغير في النشاط الكهربائي للخلية.

فطرحوا سؤالًا جديدًا:

هل يمكن استخدام هذه البروتينات للتحكم في الخلايا العصبية باستخدام الضوء؟

بدأ الباحثون في نقل هذه البروتينات إلى خلايا أخرى. ثم استخدموا الضوء للتأثير في نشاط تلك الخلايا.

ومن هذه الفكرة تطور مجال علمي كامل يعرف باسمالبصريات الوراثية (Optogenetics).

وتجمع هذه التقنية بين علم الوراثة وعلم الأعصاب والضوء.

البصريات الوراثية

ماذا تفعل البصريات الوراثية؟

تتيح البصريات الوراثية للباحثين التحكم في مجموعات محددة من الخلايا العصبية باستخدام الضوء.

ويمكن للباحث تنشيط بعض الخلايا أو تثبيط نشاطها. ثم يراقب ما يحدث نتيجة هذا التغيير.

وهذه القدرة أحدثت تحولًا كبيرًا في دراسة الدماغ.

في السابق، كان العلماء يراقبون نشاط الدماغ ويحاولون فهم العلاقة بينه وبين السلوك.

أما باستخدام البصريات الوراثية، فأصبح بالإمكان اختبار وظيفة خلايا عصبية محددة بصورة أكثر دقة.

يمكن للباحثين مثلًا دراسة ما يحدث عند تنشيط مجموعة معينة من الخلايا أو إيقافها.

وساعدت هذه التقنية في دراسة دوائر عصبية مرتبطة بموضوعات عديدة، منها:

  • الحركة.
  • الخوف.
  • النوم.
  • الألم.
  • الذاكرة.

كما أصبحت أداة مهمة في أبحاث عدد من الأمراض والاضطرابات العصبية والنفسية.

هل يمكن أن تصبح البصريات الوراثية علاجًا؟

لم تتوقف الأبحاث عند المختبر.

يدرس العلماء استخدام تقنيات تعتمد على البصريات الوراثية في تطبيقات طبية مختلفة.

ومن أبرز هذه الأبحاث محاولاتاستعادة جزء من القدرة على الإبصار لدى بعض الأشخاص المصابين بأمراض معينة في الشبكية.

كما تستمر أبحاث أخرى لدراسة استخدام التقنيات الضوئية في مجالات عصبية مختلفة.

لكن هناك نقطة مهمة يجب توضيحها.

البصريات الوراثية ليست علاجًا متاحًا على نطاق واسع لمعظم المرضى حتى الآن.

بعض التطبيقات الطبية ما زال في مراحل البحث والتطوير. لذلك يجب التمييز بين النتائج البحثية والتجارب الطبية وبين العلاج الروتيني المتاح للمرضى.

كيف ساعد كائن بسيط في فهم الدماغ؟

ربما تكمن روعة قصة الكلاميدوموناس في أن العلماء لم يجدوا الحل داخل الدماغ نفسه.

بدأت القصة من كائن مجهري بسيط. إنه كائن لا يمتلك جهازًا عصبيًا ولا دماغًا.

ومع ذلك، يمتلك نظامًا دقيقًا لاستشعار الضوء.

يحوّل هذا النظام الضوء إلى إشارة كهربائية. ثم يستخدم هذه الإشارة لتغيير حركته.

ومن خلال دراسة هذا النظام، استطاع العلماء تطوير أدوات أصبحت من أهم الأدوات المستخدمة في أبحاث علم الأعصاب.

إنها قصة تذكرنا بأنحجم الكائن لا يحدد حجم الاكتشاف الذي يمكن أن يقود إليه.

فالكائن الذي لا نستطيع رؤيته بالعين المجردة قد يحمل مفتاحًا يساعد العلماء على فهم أحد أكثر أعضاء الجسم البشري تعقيدًا.

﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

وهكذا بدأت الرحلة بطحلب صغير يستجيب للضوء.

ثم انتقلت الفكرة إلى خلايا أخرى.

وأخيرًا، وصلت إلى تقنية تمنح العلماء قدرة دقيقة على دراسة الخلايا العصبية والتأثير في نشاطها باستخدام الضوء.

إنها رحلة علمية بدأت منالكلاميدوموناسووصلت إلى أعماقالدماغ البشري.

روبوت فائق النحافة يسبح بخلايا عضلية حية ويستجيب للضوء

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

تطوير أول حاسوب في العالم يعمل بالحمض النووي

شاشة مطورة وكاميرا لمراقبة الأطفال داخل السيارة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.الحقول الإلزامية مشار إليها بـ*

زر الذهاب إلى الأعلى
Translate »